في توقيت تشهد فيه الساحة السودانية تصعيداً عسكرياً وسياسياً غير مسبوق، التقت الفريق أول ركن ياسر العطا، عضو مجلس السيادة ورئيس أركان الجيش السوداني، ليتحدث وللمرة الأولى لصحيفة مصرية بعد تنصيبه رئيساً للأركان في أبريل الماضي، عن خريطة المعارك، وأولويات المرحلة المقبلة، والسيناريوهات الإقليمية والدولية التى تحيط بالحرب.
الرجل الذى قاد معركة تحرير الخرطوم والجزيرة، يتحدث اليوم بثقة عن “معركة دارفور” التى يصفها بـ”رأس الحية”، مؤكداً أن الجيش السوداني يستعد لدخول الفاشر ونيالا والجنينة والضعين وزالنجي قريباً، وأن كل ما يحدث في كردفان والنيل الأزرق لن يشتت تركيزه عن الهدف الأكبر.
لم يتجنب العطا الأسئلة الصعبة، رد على اتهامات استخدام أسلحة كيميائية، وكشف عن معلومات استخباراتية بشأن انطلاق طائرات بدون طيار “درونز” من الأراضى الإثيوبية، وتحدث بصراحة عن العلاقة مع تشاد وليبيا، وخطط تأمين المثلث الحدودي، وعن مستقبل ميليشيا الدعم السريع والمؤسسة العسكرية نفسها، ورد على الاتهامات بأن الجيش السوداني يخضع لنفوذ الحركة الإسلامية.
الأهم أنه تحدث عن السودان بعد الحرب: عن شكل الحكم، وعن دور الشباب والأحزاب وعن رفض البرهان لتولى السلطة رغم “الحملات الشعبية”، لكنه عاد ليقول: “سنُجبره”.
# نبدأ من الخريطة العسكرية الآن.. ما هي المحاور التى تمثل أولوية للجيش السوداني في هذه المرحلة؟
جميع المحاور ذات أولوية لنا في الجيش السوداني، ولكن رأس الحية تكمن في المدن الرئيسية بإقليم دارفور “الفاشر، والضعين، ونيالا، والجنينة، وزالنجي” وقريباً سندخل تلك المناطق ونحررها من ميليشيا الدعم السريع، وكل ما يحدث من العدو في كردفان ودارفور والنيل الأزرق سينهار ويتلاشى.
ورغم أن العدو متواجد في نيالا وغيرها من مدن دارفور، لكن مع ذلك، نحن نتحسب لما يحدث في النيل الأزرق يمكن أن يمتد إلى مناطق “حظيرة الدندر، وجبل حلاوة، والفشقة”، وقد يحاولون الوصول نحو سواحل البحر الأحمر، ولكن جهودنا تتركز على تحرير دارفور وسننتصر فيها قريباً على الجنجويد.
# هناك انطباع لدى البعض بأن المؤسسة العسكرية قد لا تفضل خوض حرب طويلة داخل دارفور .. إلى أى مدى يعكس هذا الانطباع الواقع؟ وهل الجيش يملك اليوم القدرة على خوض هذه المعركة؟
نحن نؤمن بأن الله سينصرنا لأننا على حق ونؤمن بإرادة أمتنا وعزيمة شبابنا المقاتل في “الجيش، والمخابرات، والقوات المشتركة، وكتائب الإسناد، والمستنفرين، والمقاومة الشعبية”، كما أن الحرب ليس بها مفهوم صعب أو سهل، الحرب هي تخطيط دقيق وتضع في الحسبان جميع عناصر قوة العدو بما يقابل تلك القوة ونحن لدينا تجهيزات دقيقة تشكل كل أوجه الحرب المختلفة، ولذلك نستطيع تحقيق الانتصار عليهم.
وأثناء الحرب قد تكون هناك خسائر، وبعض التراجعات، لكن المهمة الصعبة كانت معركة تحرير الخرطوم، حيث كانت أعداد الميليشيا وقت اندلاع الحرب أكثر من 146 ألف شخصاً، وتواصل الدعم لهم والاستنفار داخل العاصمة أثناء الحرب، كما كانوا يمتلكون نحو 12 ألف مركبة ومدرعات قتالية، ومع ذلك تمت هزيمتهم من قبل الجيش السوداني، صحيح تلك المهمة أخذت فترة من الزمن لكن في النهاية تم تنفيذ خطتنا بنجاح، ولاحقاً استطعنا تحرير ولاية الجزيرة وغيرها في كل محاور الإقليم الأوسط، ونحن على مشارف البدء للتحرك نحو دارفور من جميع الاتجاهات.
ولن نترك شبراً واحداً للجنجويد، فقد كان منهم نسبة كبيرة سودانيين من قبائل أصيلة في السودان، لكن قاموا بقتل ونهب واغتصاب وتدمير وتهجير الشعب السوداني، لأسباب عرقية مثقلة بالكراهية والعنصرية، ومن ثم لن نترك أهلنا في دارفور لهذا الإجرام الجنجويدى لأنها مسئولية تاريخية، ومسئولية الجيش الوطني وقف جرائم الميليشيا في دارفور لذا، قرارنا جميعنا هو هزيمة الجنجويد وفرض الأمن والاستقرار لأهلنا في دارفور وكردفان والنيل الأزرق.
# ماذا عن محور كردفان؟ وهل الهدف هو تأمين مدينة الأبيض أم التقدم غرباً باتجاه دارفور؟
الجيش السوداني تقدم بخطوات كبيرة في فتح الطريق إلى الدلنج، وجنوب كردفان في كادقلي، وتم فتح طريق الصادرات، لاسيما أن الميليشيا كانت قبل عدة أشهر تهدد بقطع الشريان الوحيد إلى كردفان من مدينة كوستي ومنها إلى مدينة الأبيض، الآن تم تأمين الطريق تماماً وفتحه إلى “الرهد، والدلنج، وكادقلي”، كما أزلنا التهديد تماماً عن مدينة الأبيض وعن الطرق القومية الرئيسية التى تربط هذه المحاور، وفي كل هذه المواقع الرئيسية الاستراتيجية تم تأمينها بأعداد كبيرة من القوات.
هذا بالإضافة إلى أنه تم الدفع بأعداد من القوات غرباً حتى تنقل المعركة خارج الطرق الحيوية، وفي الوقت الراهن نعمل على تجهيز قوات أخرى للاندفاع غرباً نحو دارفور، حيث أصبحت كردفان نقاط الانطلاق إلى دارفور، ومن الإقليم الشمالي الانطلاق لجبهات عديدة نحو شمال الإقليم.
# هل تخشون انفصال دارفور؟
لن تنفصل دارفور ولن نسمح بذلك، ولن ينفصل أي جزء من السودان، وستنتهي سيطرة الدعم السريع على الإقليم الغربي قريباً.
# جبهة النيل الأزرق أصبحت ساخنة.. لماذا اختار الدعم السريع فتح هذه الجبهة؟ وسر التوقيت؟ وهل تم استغلال الأراضى الإثيوبية في ذلك؟
ميليشيا الدعم السريع أرادت فتح تلك الجبهة الآن لسبب واحد فقط، وهو تعطيل تحرك الجيش نحو دارفور.
لكن هذا الهدف إذا تمت مقارنته بالناتج النهائي لن يتحقق هدفهم. لأنه يمكن استدعاء مليون أو مليونين من أصل 48 مليون سوداني للقتال، ومن ثم كل تلك المحاولات من جانبهم ستفشل، وتوجههم نحو النيل الأزرق يخصم من قوتهم التى تجابهنا في دارفور، ولن يشتت انتباه الجيش إلى منطقة أخرى مطلقاً. ومؤسسة الجيش قادرة على إدارة المعارك في كل الاتجاهات، وفي آن واحد.
أما إثيوبيا، فتكمن مصلحتها في الاستحواذ على الأراضى الزراعية الخصبة في تلك المناطق المجابهة للحدود، مثل “الفشقة، وجبل حلاوة، وقيسان، والكرمك، والدمازين”، استغلالاً لظروف السودان الراهنة والاستفادة في الزراعة لمدة عام أو عامين، وبالطبع يأملون في أن تمتد المدة، كما أنه إذا تم احتلال منطقة الفشقة من قبل إثيوبيا وهناك تتواجد قومية الأمهرة الإثيوبية التى هي على خلاف مع نظام رئيس الوزراء الإثيوبى آبى أحمد، فهذا يسهل للأخير التحالف معهم بعد أن يهديها لهم، وينتقلوا من مربع المعارضين إلى مربع المؤيدين، خاصة أن السودان وإثيوبيا لديهم نزاع تاريخى حول العلامات الحدودية في تلك المنطقة.
كما أن آبى أحمد يسعى لهدف رئيسي، بأنه إذا احتل منطقتى الفشقة والدمازين، يمكنه في هذه اللحظة، احتلال ميناء عصب في إريتريا حتى تكون منفذاً لبلاده على البحر الأحمر، بدعم من دول إقليمية حليفة له، على أن يعترفوا بأن هذه الأرض إثيوبية وليست إرترية، وكل هذا المخطط لن يتحقق.
# السودان اتهم أديس أبابا أكثر من مرة بانطلاق طائرات بدون طيار “مسيرات” من مطار أصوصا الإثيوبى.. ما هي الأدلة على ذلك؟
جميع دول العالم التى تمتلك أقماراً صناعية تعرف هذه الحقيقة، وكذلك المنظمات الأممية التى تعمل على الأرض في تلك المناطق، كما حصلنا على صور من الأقمار الصناعية ومعلومات استخباراتية تثبت استخدام مطار أصوصا وعدد من المطارات الإثيوبية في انطلاق مسيرات الدعم السريع نحو الأراضى السودانية، وقد تمت إفادتنا بمعلومات أكثر يصعب قولها في الوقت الراهن.
والجيش السوداني أسقط عدد من الدرونز، وهذه الطائرات بها أجهزة تم العثور عليها وفحصها وأوضحت لنا مكان انطلاقها، وغيرها من المعلومات، كما خاطبنا الدول المصنعة للطائرات وأكدوا أنها مشتريات من قبل جيوش دول إقليمية حليفة للدعم السريع ولإثيوبيا.
# الجيش التشادى اتهم نظيره السودانى باستهداف أراضيه.. ما حقيقة هذا الأمر؟
هناك ما يقرب من 250 إلى 300 سيارة قتالية تابعة للميليشيا عبرت الحدود من ليبيا إلى الحدود التشادية، ودخلت إلى تشاد مسافة ما يقرب من 70 كيلومتراً للحدود، ومع خط الحدود السودانية تم تدميرها.
ونحن تضررنا كثيراً من هذا الدعم الكبير للميليشيا، وقد أنذرنا المسئولين في تشاد وليبيا عدة مرات لوقف هذا الدعم، ولكن دون جدوى، فكان لابد من التصدى لذلك، خاصة مع زيادة هذا الدعم المسلح.
# ماذا عن الوضع في منطقة المثلث الحدودي “السودان، ومصر، وليبيا”؟
يوجد به عدد بسيط من الميليشيا نحو 30 مركبة قتالية، وعدد 110 مركبة ليبية تتبع كتائب “سبل السلام”، لكن معظم تلك القوات تعمل في مجال التنقيب عن الذهب، مع تأمين مرور الدعم المقدم للميليشيا داخل السودان، وقمنا بتكوين قوة للقضاء عليهم، وسيتم السيطرة أكثر على الوضع هناك.
# التعدين العشوائي أو التقليدي امتدت آثاره لتثير جدلاً لاسيما ما راج بشأن منطقة “وادى العلاقى”.. ما حقيقة هذا الأمر؟
كل ما دار من أحداث في هذا الأمر كان داخل الحدود المصرية، ولم يحدث على أراضينا كما ادعى البعض.
وهناك مجموعة من المعدنين السودانيين دخلوا الحدود المصرية، وعملوا مع المعدنين المصريين في مناطق مصرية، حتى جاءت 6 سيارات تاتشر تتبع للقوات المشتركة السودانية بدون أمر قياداتهم، وحتى وجودهم في المنطقة الشمالية بالسودان لم يكن بأمر قياداتهم، وربما لا يعلمون أي مدى تمتد الحدود، ودخلوا الحدود المصرية وذهبوا إلى منطقة خاصة بالتعدين المصرى وبها شركة مصرية عاملة هناك، فحدثت مشادة تدخل على إثرها الأمن المصرى، فانسحبوا، وفي اليوم التالي، عادت سيارتان مسلحتان تابعة لهم، وتم التصدى لها من الأمن المصرى أيضاً، على إثره تم التنسيق بين ا









