Home / منوعات وثقافة / الأعمار أقصر من الأحلام.. تأملات في الحياة والزمن والحرب

الأعمار أقصر من الأحلام.. تأملات في الحياة والزمن والحرب

الأعمار أقصر من الأحلام.. تأملات في الحياة والزمن والحرب

كتب المهندس عمر الدقير رئيس حزب المؤتمر السوداني مقالا بعنوان “أعمار أقصر من الأحلام.. تأملات في الحياة والزمن والحرب”، حيث ركز على قِصر الحياة ومحدودية الزمن. أشار الدقير إلى أن عبارة “الحياة قصيرة” تُقال غالباً عندما يشعر الإنسان بسرعة مرور الوقت أو عندما لا يتمكن من تحقيق أحلامه، أو يفقد عزيزاً بشكل مفاجئ، أو يدرك متأخراً ما كان يجب فعله. استشهد الدقير بالفيلسوف الروماني لوسيوس سينيكا الذي رأى أن المشكلة ليست قِصر العمر، بل بَدْد الإنسان لوقته قبل أن يقدر قيمته. واعتبر أن المعضلة أعمق؛ فالإنسان لا يُمنح زمناً يساوي اتساع رغباته، مما يترك له شعوراً بأنه لم يعش كل ما كان يطمح إليه.

في سياق السودانيين اليوم، لاحظ الدقير أن هذه الحقيقة تأخذ منحى أشد وطأة بسبب الحرب التي داهمتهم، فاستمرت الأعمار في تناقصها بينما تَعطَّلت الحياة التي كانوا يبنونها، وهُدِّم كثير مما أنجزوه، وأضطر كثيرون لبدء حياتهم من جديد بقدرة أضعف وزمن أقل. أشار إلى أن ما تكشفه الحرب بهذه القسوة ليس شأن سوداني خالص، بل وجهاً مكثفاً لمأزق إنساني أوسع: العمر محدود بينما ما يريده الإنسان من الحياة يكاد لا تحده حدود. لفت إلى أن في داخل كل إنسان أكثر من حياة ممكنة، لكن سقف العمر وصروف الدهر لا يتيحان له أن يكون كل ما يمكن أن يكونه، مما يولد شعوراً بالندم والحزن على ما لم يُحقق.

أشار الدقير إلى أن القلق هو أحد المشاعر الأكثر اتصالاً بهذا المأزق؛ فهو يعرف الإنسان أن العمر محدود بينما تفلت منه فرص وأحلام كان يمكن أن تمنح حياته ملمحاً آخر. وصفت صورة القلق الأشد قتامة عالَم فرانز كافكا، حيث يبدو الإنسان كأنه يركض في متاهة لا يعرف مخرجها خائفاً من أن تنقضي حياته قبل أن يفهمها أو يجد مكانه فيها. وعلى الضفة الأخرى، أشار الدقير إلى المتنبي الذي يعبر عن قلق مختلف بقوله: “على قلقٍ كأنَّ الريحَ تحتي .. أُوَجِّهها جنوباً أو شمالاً”؛ وهو قلق يدفع إلى الحركة كأن الطموح أوسع من المكان والعمر أقصر من الانتظار.

أشار الدقير إلى أن أقسى ما في قِصر الحياة أن يكتشف الإنسان متأخراً أنه عاش حياة لم يختارها تماماً، مستشهداً بتولستوي في روايته “موت إيفان إيليتش”، حيث يبدأ البطل في مراجعة حياته عند اقتراب الموت، فيتبين له أن الوظيفة والمكانة والحياة التي بدت ناجحة ليست هي الحياة التي كان يريدها لنفسه، مما يجعل الموت مرآة أخيرة لا تجامل.

أشار الدقير إلى أن الزمن لا يترك أثره على البشر فقط، بل يغير الأمكنة أيضاً. لفت إلى بكاء الشاعر العربي القديم على الأطلال كحزن على أحبة غابوا وعلى حياة كانت هنا ثم تلاشت، حيث يبقى المكان لكن الوجوه والأصوات والعادات التي منحته معناه لا تبقى كما هي. أشار إلى ما التقطه الطيب صالح بعمق؛ فالقرية التي يغادرها الإنسان تواصل حياتها من دونه، وحين يعود لا يجدها كما غادرها، بل يجد أثر السنوات على المكان وناسه.

أشار الدقير إلى أن السودانيين اليوم لديهم معرفة أشد وجعاً بهذا المعنى؛ فالحرب جعلت عودة الملايين منهم سؤالاً يتجاوز المكان إلى الزمن نفسه. لفت إلى أن الانتظار استطال وكبر أطفال بعيداً عن ملاعبهم ومدارسهم، وتفرقت عائلات بين مدن وبلدان، وبقي سؤال “متى نعود؟” معلقاً في الوجدان. أشار إلى أن الحرب لا تقصف أعمار الناس بالموت فقط، بل تقصف أيضاً ما كان يمكن أن تكون عليه تلك الأعمار.

أشار الدقير إلى أن الأشياء الصغيرة تزداد إلقاً وقيمة كلما شعر الإنسان بأن الوقت ليس مضموناً، مثل خيط الشمس الأول، مشهد الأطفال الصباحي، صوت المُغنِّي، صحن الفول، والجلسة تحت ظل شجرة. لفت إلى أن هذه الأشياء تبدو عابرة ما دامت متاحة، ثم تظهر قيمتها كاملة حين تصبح مهددة بالفقد أو تُفقد بالفعل.

أشار الدقير إلى ألبير كامو الذي ينظر إلى الحياة من جهة تماسكها المباشر مع الحواس؛ ما يُلمس ويُرى ويُسمع قبل أن يتحول إلى فكرة. لفت إلى أن الجسد عنده أكثر من مجرد وعاء للحياة؛ إنه الموضع الذي تمر عبره لَذَّاتُها وأوجاعُها، ومن خلال ضعفه ومرضه تصل أول إنذارات الموت.

أشار الدقير إلى أن عمر الإنسان مهما طال لا يتسع لكل ما يحلم به، لكن المأساة أن يبدد الإنسان عمره المحدود فيما لا يستحق، ثم يصل إلى آخر الطريق محملاً بما كان ينبغي أن يقوله ويفعله ويحبه، وقد فات الأوان. لفت إلى أن الإنسان كان يتصرف كأن الموت يعرف عناوين الآخرين ولا يعرف عنوانه، بينما الموت يدرك الجميع.

أشار الدقير إلى أن مع الوعي بثقل الزمن، لا تفقد الخيارات الصادقة قيمتها لمجرد أن الزمن مضى في اتجاه آخر؛ إذ يبقى على المرء أن يظل وفياً للخيارات التي اتخذها عن قناعة وضمير، حتى إن جاءت النتائج على غير ما أراد، وألا يتزحزح عنها، ولا ينحني أمام ترهيب أو ترغيب. أشار إلى أن كون الخيارات صادقة وصائبة لا يعني حتمية تحققها دائماً، مستشهداً بالقائد الفيتنامي فو نغوين جياب الذي قال: “ضمان النصر ليس شرطاً لخوض المعارك العادلة”.

أشار الدقير إلى أنه ليس مجدياً أن يظل الإنسان أسير الحسرة على ما فاته وما لم يتمكن من فعله؛ فالماضي جدير بأن يُستعاد للعبرة، لا للإقامة فيه. لفت إلى قوله تعالى: “وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ”، معتبراً أن السؤال الأجدر هو: ماذا سيصنع بما بقي من عمره؟ وكيف يصونه من التبدد فيما لا يفيد، ويمنح ما بقي منه معنىً سامياً يستحق أن يُعاش من أجله؟

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *