Home / منوعات وثقافة / فنان غزّي يتحول من أدواته المدمرة إلى لوحات تعيد حياة النازحين إلى الذاكرة

فنان غزّي يتحول من أدواته المدمرة إلى لوحات تعيد حياة النازحين إلى الذاكرة

فنان غزّي يتحول من أدواته المدمرة إلى لوحات تعيد حياة النازحين إلى الذاكرة

لا يملك مرسمه القديم، ولا أدواته التي جمعها على مدى سنوات، لكنّه يملك فرشاته وذاكرة مثقلة بمشاهد النزوح والدمار والجوع، يحوّلها إلى لوحات تحاول أن تحفظ تفاصيل حياة الغزيين من النسيان.
على قطعة قماش أو لوح بسيط، يرسم أطفالا يحملون أواني المياه، ونساء ينتظرن المساعدات تحت الشمس، ورجالا أصابتهم الحرب، وخياما تزدحم بالنازحين، وبيوتا تحولت إلى أنقاض.
بالنسبة إليه، لم تعد اللوحة مجرد عمل فني، بل وسيلة لنقل ما يراه يوميا إلى من هم خارج القطاع.
يقول (50 عاما) إنه نزح من مخيم جباليا شمالي القطاع برفقة زوجته وأبنائه، بعدما دمرت الحرب ثلاثة منازل مرتبطة به وبعائلته، بينها منزله وشقة عائلته وبيت نجله.
لكن الخسارة لم تتوقف عند الجدران. فقد دُمر أيضا، نحو 80 عملا فنيا كان يحتفظ بها في منزله، إلى جانب مرسمه وألوانه وفرشه واللوحات التي كان يستعد لإنجازها.
“كل ما أملك تدمر”، يقول، مستعيدا بداية الحرب حين وجد نفسه أمام واقع جديد: فنان بلا مرسم، ولا أدوات، ولا مكان ثابت يستطيع فيه أن يرسم.
وتشير احصاءات اليونسكو إلى أن الحرب ألحقت أضرارا واسعة بالمشهد الثقافي في غزة، إذ تحققت المنظمة حتى مارس الماضي من أضرار لحقت بـ164 موقعا ثقافيا منذ السابع من أكتوبر 2023، بينها مبانٍ ذات أهمية تاريخية وفنية، ومتاحف ومواقع أثرية ومراكز ثقافية.
ومن بين المواقع التي رصدت اليونسكو أضرارا بها مركز رشاد الشوا الثقافي في مدينة غزة .
بالنسبة له، انعكست هذه الخسائر على الفنانين أنفسهم، بعدما تحولت أماكن كانت تشكل حواضن للمواهب إلى أماكن مدمرة أو ملاجئ للنازحين.
يقول إن جمعية الشبان المسيحية، التي يصفها بأنها كانت من أبرز الحواضن للفنانين التشكيليين في غزة، لم تعد تؤدي دورها السابق، مضيفا أن “أكبر مأوى إلنا الآن الخيمة”.
لم يستطع الرسم لأشهر طويلة بعد نزوحه، ويقول إنه انقطع عن ممارسة الفن التشكيلي قرابة عامين، قبل أن يبدأ تدريجيا في استعادة أدواته.
في البداية لم تكن هناك ألوان ولا لوحات. كان يلجأ إلى الفحم المستخرج من الخشب، ويرسم بالقلم على أوراق بسيطة، ثم بدأ يرسم على الخيمة والشادر، مدفوعا بأفكار ومشاهد لم يجد وسيلة أخرى لإخراجها.
“أحاول أرسم على أي شيء، على الخيمة، على الشادر، على أي شيء”، يقول، موضحا أن المطر كان كفيلا بمحو ما يرسمه، لكنه كان يجد في الرسم مساحة لتفريغ ما تراكم في داخله.
وخلال الأشهر الستة الأخيرة، عاد إلى الرسم على اللوحات، بعدما تمكن من الحصول على بعض الألوان والفرش والأقمشة من فنانين آخرين في وسط قطاع غزة.
ومنذ ذلك الوقت، أنجز نحو 11 عملا فنيا، يقول إن معظمها يدور حول الحرب وتداعياتها اليومية: المجاعة، والنزوح، والخيام، والمياه، والبيوت المدمرة، والإخلاءات المتكررة.
في أعماله، لا يبدو الماء مجرد عنصر من عناصر الحياة اليومية، بل يتحول إلى رمز لمعاناة متكررة يعيشها النازحون.
يقول إنه يبدأ يومه في مواصي خان يونس بالبحث عن المياه، فيذهب صباحا لتعبئة المياه العذبة، ثم يبحث لاحقا عن المياه المالحة عند توفرها، في مشهد يختصر جزءا من الحياة اليومية في القطاع.
وتؤكد بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن أزمة المياه لا تزال من أبرز التحديات التي تواجه سكان غزة.
وأظهر مسح أُجرته “أوتشا” في يوليو الماضي أن 90 بالمئة من السكان كانوا يعانون انقطاعات متكررة وغير متوقعة في الحصول على مياه آمنة ونظيفة وموثوقة، بينما بلغت النسبة في خان يونس نحو 90 بالمئة أيضا.
أما الأطفال، فيحتلون مساحة بارزة في لوحاته. يرسم الطفل الذي يحمل عبوة مياه تزن عشرة أو عشرين لترا، والطفل الذي يعيش داخل خيمة بدل منزله، ويحاول أن يوثق تفاصيل الحرمان التي أصبحت جزءا من يومياته.
وفي تقاريره، قال مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إن غالبية سكان غزة ما زالوا نازحين ويعيشون في ظروف قاسية، مع استمرار القيود على الوصول إلى الغذاء والمياه والمأوى والخدمات الأساسية.
ولا يغيب حضور المرأة عن أعماله؛ فهي، كما يصفها، امرأة فقدت زوجها أو أحد أبنائها، ثم وجدت نفسها مضطرة للخروج بحثا عن المساعدات أو احتياجات أسرتها.
ويرسم كذلك الجريح والرجل الذي يبحث عن لقمة العيش، والخيمة التي أصبحت عنوانا للنزوح، والبيت الذي لم يعد سوى صورة في الذاكرة.
ويقول إنه عاش بنفسه فترة المجاعة، ولذلك يحاول أن يجسد في لوحاته ما عاشه الناس خلالها، مؤكدا أن الفن بالنسبة إليه ليس منفصلا عن الواقع، بل وسيلة لتوثيقه.
ولا يملك في ظل الحرب فرصة سهلة لإقامة المعارض أو نقل لوحاته خارج غزة. لذلك يعتمد على منصات التواصل الاجتماعي، خصوصا فيسبوك، لنشر أعماله، فيما تتم بعض المشاركات الفنية إلكترونيا عبر البريد الإلكتروني ووسائل التواصل.
وقبل الحرب، شارك في أنشطة ومعارض احتضنتها مؤسسات ومراكز ثقافية وفنية في غزة، بينها المركز الثقافي الفرنسي ودار الكلمة ومركز رشاد الشوا وغيرها.
بدأ ارتباطه بالفن التشكيلي في طفولته، ويعود بذاكرته إلى عام 1987، حين كان في الثانية عشرة من عمره ويعيش في مخيم جباليا للاجئين، حيث اندلعت الانتفاضة الفلسطينية الأولى.
يقول إن مشاهد الرجال والنساء والأطفال في أزقة المخيم تركت أثرا عميقا فيه، وكانت الشرارة التي دفعت موهبته إلى الظهور والاستمرار.
لم يدرس الفن التشكيلي أكاديميا، لكنه طوّر موهبته من خلال الممارسة والمشاركة في المعارض والمؤسسات الفنية، مستفيدا من تجارب فنانين سبقوه.
ومن الأعمال التي يعتز بها، يذكر لوحتي “الباحثون عن الضوء” و”الرحيل”، إلى جانب أعمال أخرى أنجزها قبل الحرب.
واليوم، يجد نفسه مرة أخرى في رحلة بحث عن الضوء، لكن هذه المرة من داخل خيمة.
فبينما فقد مرسمه وأعماله القديمة، يحاول أن يبدأ من جديد، مستخدما اللوحة كمساحة تحفظ ذاكرة المكان والناس، وتقول إن خلف مشاهد الحرب اليومية حياة كاملة تحاول البقاء.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *