بين التهديد العسكري والرسائل الدبلوماسية، يبرز سؤال طبيعة الرد الروسي وإمكان العودة إلى المفاوضات. وقدم أستاذ العلوم السياسية نزار بوش، والباحث السياسي مصطفى طوسة، قراءتين للتطورات.
تحذر واشنطن موسكو من مغبة مهاجمة الناتو.
يرى بوش أن بريطانيا، إلى جانب فرنسا وألمانيا، تجاوزت عدداً من الخطوط الحمراء التي وضعتها موسكو منذ بداية الحرب، ولم تعد تكتفي بدعم أوكرانيا بالمال والسلاح، بل أصبحت، بحسب تقديره، مشاركة مباشرة في الحرب ضد روسيا، وإن ضمن حدود معينة. وأشار إلى أن الدعم الغربي أتاح لكييف استخدام المسيرات والصواريخ متوسطة المدى لضرب العمق الروسي، معتبراً أن بريطانيا “تمادت أكثر بكثير” مقارنة بمواقفها السابقة. ولفت بوش إلى أن التحذير الروسي الأخير صدر عن وزارة الخارجية، وليس عن جهة عسكرية أو وزارة الدفاع، وهو ما يراه دليلاً على أن موسكو لا تزال تمنح الحل الدبلوماسي والمفاوضات أولوية قبل الانتقال إلى الخيار العسكري. لكن الجديد، وفق بوش، هو التلويح بإمكان استهداف مواقع بريطانية خارج أوكرانيا. وبينما استبعد توجيه ضربة إلى الأراضي البريطانية حالياً، رجح أن تطال أهدافاً في البحار والمحيطات أو قواعد عسكرية تشارك في العمليات ضد العمق الروسي، بما في ذلك مواقع قرب بحر البلطيق أو في بولندا.
اعتبر بوش أن التفاؤل بوقف الحرب، عقب لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين في ألاسكا، تبدد بعد صمت ترامب، مرجحاً أن يكون ذلك نتيجة ضغوط داخل الولايات المتحدة. وبحسب رؤيته، تبقى واشنطن “الرابح الأكبر” من استمرار الحرب، في ظل شراء دول أوروبية الأسلحة الأميركية وتقديمها إلى أوكرانيا بمليارات الدولارات. كما وصفت بريطانيا بأنها “رأس الحربة”، متهماً إياها بالضغط على كييف لمنع تقديم تنازلات قد تنهي القتال.
وحذر بوش من أن استمرار تجاوز الخطوط الحمراء قد يقود إلى رد روسي مباشر، مشيراً إلى احتمال تزويد بريطانيا أوكرانيا بصواريخ بعيدة المدى يصل مداها إلى ألف كيلومتر، بما يتيح ضرب مواقع في موسكو. وقال إن أي هجوم من هذا النوع قد يستدعي رداً روسيا خلال وقت قصير، وعندها “يتم تخطي كل الخطوط الحمراء من كل الأطراف”. وأضاف أن رئيس الاستخبارات الروسية ناريشكين أبلغ راتكليف، وفق قوله، بأن ضرب مدن روسية سيقابل برد، بغض النظر عن الموقف الغربي. ويربط بوش ذلك بشعور روسي بأن الحرب تتصل بالدفاع عن “وجود روسيا”، معتبراً أن تجاوز الناتو أو بريطانيا الخطوط الحمراء قد يجعل جميع الخيارات مطروحة.
من جانبه، أوضح طوسة أن تهديد روسيا باستهداف عناصر أو جنود أجانب داخل أوكرانيا ليس جديداً، لكن التلويح بضرب أهداف في دول أوروبية يمثل تحولاً قد يفتح “حقبة جديدة”، خصوصاً إذا شمل دولة عضواً في الناتو. وقال إن استهداف إحدى دول الحلف قد يؤدي إلى تفعيل المادة الخامسة من ميثاقه، بما يلزم بقية الأعضاء بمساندتها. لكنه استبعد أن يسعى بوتين إلى استفزاز الناتو وجره إلى حرب مباشرة، متسائلاً عن قدرة موسكو على مواجهة الحلف بعدما لم تتمكن آلتها العسكرية من إخضاع أوكرانيا بعد سنوات من القتال. ويرى طوسة أن المعادلة قد تختلف عند اللجوء إلى السلاح النووي، لكنه وصفتها بأنها خيار محرم دولياً ومرفوض من الصين والدول الداعمة لروسيا اقتصادياً.
أشار طوسة إلى أن الدول الأوروبية تواجه بالفعل ما وصفه بحرب روسية هجينة مستمرة، تشمل الهجمات السيبرانية والتدخل في الانتخابات ومحاولات التأثير النفسي في المجتمعات والمسارات السياسية. واستشهد بالمشهد الانتخابي في فرنسا، معتبراً أن وصول مارين لوبان أو جان لوك ميلانشون إلى موقع متقدم قد يصب، وفق قراءته، في مصلحة بوتين. وقال إن أدوات الاستخبارات والدعاية الروسية تسعى إلى التأثير في المجتمع الفرنسي، من دون أن يعني ذلك بالضرورة مواجهة عسكرية مباشرة.
وبشأن زيارة راتكليف إلى موسكو، قال طوسة إن الرسالة الأميركية، وفق قراءات خبراء أميركيين وأوروبيين، تؤكد أن واشنطن لا تريد حرباً مع روسيا، وأن ترامب لا يسعى إلى مواجهة مع بوتين. لكن الرسالة تضمنت، بحسب طوسة، تحذيراً من استهداف دولة أوروبية عضو في الناتو، لأن ذلك قد يفرض على الولايات المتحدة التدخل بموجب التضامن الأطلسي. ويقرأ طوسة التصعيد الروسي باعتباره محاولة لـ”دق ناقوس الخطر”، ودفع واشنطن والاتحاد الأوروبي إلى التعامل بجدية مع الحل الدبلوماسي والضغط على أوكرانيا لتقديم التنازلات التي تريدها موسكو. وبين التحذير والردع، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يقود التصعيد إلى مفاوضات، أم يختبر حدود المواجهة المباشرة بين روسيا والناتو؟.









