بينما تربط إيران إعادة فتح الممر البحري الحيوي بمجموعة من الشروط تشمل وقف العمليات العسكرية ورفع العقوبات والإفراج عن أموالها المجمدة، تتمسك الولايات المتحدة بضمان حرية الملاحة، في وقت تتحرك فيه سلطنة عمان لترتيب مسارات بحرية جديدة.
تم التشابك بين هذه المواضيع محور نقاش موسع، جمع فيه وزير الإعلام الكويتي الأسبق الدكتور سامي النصف، ورئيس تحرير صحيفة “إيران دبلوماتيك” الدكتور عماد أبشناس من طهران، والسياسي العراقي المستقل غانم العابد.
واشنطن من موقع قوة
شبّه وزير الإعلام الكويتي الأسبق الدكتور سامي النصف، العلاقة بين واشنطن وطهران بـ”رقصة التانغو” التي تحتاج إلى طرفين، معتبراً أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتحرك من موقع قوة، في ظل ما تمتلكه الولايات المتحدة من تفوق عسكري واقتصادي وقدرات واسعة في تصنيع السلاح.
ورأى أن التصعيد في هرمز لا يضر كثيراً بالاقتصاد الأميركي، مستدلاً بأرباح غير مسبوقة حققتها شركات النفط الأميركية مؤخراً.
وتوقف النصف عند ما وصفه بالتناقض الإيراني بين تصريحات لوزير الخارجية تحدثت عن اقتراب تفاهم إجرائي لفتح المضيق مجاناً، ومطالب أخرى تتضمن 6 شروط، بينها التعويض ومنح إيران سلطة على المضيق ورفع العقوبات.
واعتبر أن هذه شروط “منتصر” يصعب على الطرف الآخر قبولها، حتى لو كانت إيران هي من يوجه الضربات.
إيران ترفع سقف شروطها.. ما خيارات ترامب؟
وقدم النصف قراءة اقتصادية للأزمة، معتبراً أن الحرس الثوري، بوصفه مؤسسة اقتصادية يؤول إليها نحو نصف الناتج المحلي الإيراني، قد يستفيد من تناقض التصريحات، إذ ينعكس كل حديث عن التهدئة أو التصعيد سريعاً على أسعار النفط والذهب، بما يتيح لمطلعين مسبقاً تحقيق أرباح أو تجنب خسائر بمليارات الدولارات، فيما وصفه بـ”اقتصاد الحرب”.
كما شكك في أولوية معاناة الداخل لدى القيادة الإيرانية، مستشهدا بفضائح مالية طالت حتى رئيس وفد التفاوض الإيراني، ومعتبراً أن ثراء إيران بالنفط والمياه يتناقض مع أوضاع شعبها.
ورأى أن واشنطن لن تنفذ الشروط الإيرانية لأنها ليست الطرف المهزوم ولا الأكثر تضرراً في بنيته التحتية، مخالفاً طرح غانم العابد بشأن وجود نية أميركية لتغيير النظام.
واعتبر أن الحروب غالباً ما توحد الداخل، وأن تحريك مكونات مثل بلوشستان أقل كلفة وأكثر فاعلية، مستشهدا بتصريحات لرئيس الأركان الأميركي بأن الضربات الجوية وحدها لا تغير الوقائع على الأرض.
من النووي إلى هرمز.. لماذا تغير مسار مفاوضات أميركا وإيران؟
ووجه النصف سؤالين إلى أبشناس؛ أولهما عن الضمانة التي تمنع تكرار الاعتداء الأميركي، معتبراً أن جزءاً من الإجابة بيد إيران نفسها، وأن السعي إلى انفراج يتناقض مع إغلاق المضيق واستهداف دول المنطقة مثل الأردن ودمياط المصرية بدلاً من استقطاب حلفاء للضغط على واشنطن.
أما السؤال الثاني فتعلق برفع نسبة التخصيب من 3 بالمئة إلى 60 بالمئة، رغم أن الاستخدام السلمي لا يحتاج، بحسب طرحه، إلى أكثر من 3 بالمئة، إضافة إلى تراكم مئات الكيلوغرامات من اليورانيوم.
وذكر بأن إيران لم تدع عبر تاريخها، حتى خلال الحرب العراقية الإيرانية، ملكية مضيق هرمز، محذراً من امتداد التهديد إلى باب المندب.
طهران: لا ضمانات أميركية
من طهران، رد أبشناس بأن الضغط الاقتصادي كان يمكن أن يكون فعالاً قبل الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، عندما كان الشارع الإيراني قريباً من احتجاجات جديدة بسبب الأوضاع المعيشية، لكنه رأى أن الحرب دفعت المطالب الاقتصادية إلى المرتبة الثانية أمام أولوية الأمن والوجود، مع احتمال عودتها بعد انتهاء الحرب.
وأكد أن الرئيس مسعود بزشكيان، وفق معرفته به، كان سباقاً إلى توقيع أي اتفاق يرفع العقوبات ويحل الأزمة الاقتصادية، كما وقع سابقاً اتفاقية إطارية، لكن المشكلة تتمثل في غياب أي ضمانة بأن تلتزم واشنطن بتعهداتها، مستشهداً باتفاقات سابقة لم تؤد إلى الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة.
واشنطن وطهران.. تفاؤل حذر ومخاوف من تفاوض بلا سقف
و كشف أبشناس أن التفاهم الإطاري الموقع قبل نحو 50 يوماً فجر انقساماً داخلياً بين تيار متشدد يدعو إلى استمرار إغلاق هرمز ورفض وقف الحرب قبل قبول واشنطن بالشروط الستة، وتيار يقوده بزشكيان وقاليباف ووزير الخارجية عراقجي يراهن على التفاوض.
وبحسب أبشناس، بات التيار المتشدد أقوى، رافضاً القول إن واشنطن غير متضررة من إغلاق المضيق، ومؤكداً أنها من أكبر المستفيدين منه عبر صادرات النفط والغاز والهيليوم.
شراء الوقت أم تمهيد للحرب؟
أما غانم العابد، فرأى أن الضغط الاقتصادي والضربات العسكرية يسيران بالتوازي، وأن المفاوضات عبر عُمان وباكستان كانت تترافق مع التصعيد، بحيث يقابل تعثرها بضربات أشد.
واعتبر أن واشنطن وطهران تشتريان الوقت عبر فتح جزئي أو مؤقت لهرمز لتأمين حركة الطاقة وإعادة التسليح، فيما تبقى التصريحات المتبادلة موجهة للاستهلاك الإعلامي.
ويعتقد العابد أن واشنطن عازمة على توجيه ضربة عسكرية كبرى لإيران، وأن طهران تسعى، إدراكاً منها لذلك، إلى توسيع دائرة الحرب لتشمل دول المنطقة ثم باب المندب وقناة السويس.
واستشهد بحديث ترامب عن مفاوضات ونقاط إيجابية قبل أقل من 24 ساعة من اندلاع الحرب، معتبراً أن الهدف الأميركي الحقيقي هو إسقاط النظام الإيراني، وأن جوهر الأزمة لا يرتبط بالاقتصاد أو الصواريخ الباليستية بقدر ما يتعلق بتغيير النظام.
العراق.. معركة التخلص من الفواتير الباهظة
وفي ملف هرمز، اعتبر العابد أن إيران ستكون من أكبر المتضررين من الإغلاق، مشيراً إلى تحرك الحكومة العراقية نحو تركيا لتوقيع اتفاق لتصدير 1.5 مليون برميل نفط يومياً عبر الأراضي التركية، إلى جانب اتفاق مرتقب مع سوريا لتفعيل أنبوب بانياس.
ورأى أن ذلك يعكس بحث بغداد، رغم تحالفها التقليدي مع طهران، عن بدائل.
وفي ختام مداخلته، قلل العابد من قدرة فصائل المعارضة الإيرانية مقارنة بقوة الباسيج، واتهم واشنطن بأنها حمت النظام الإيراني خلال موجات الاحتجاج السابقة عبر عدم التدخل لدعمها، معتبراً أن تدخلاً أميركياً حينها كان يمكن أن يقود إلى سقوط النظام.









