استيقظت صباح اليوم لأجد عدداً من الأحباب يغرقوني بسيلٍ من مقاطع الفيديو، والأخبار، والتصريحات، وصورٍ من الصحف القديمة، توثق توثيقاً دقيقاً للموقف الحقيقي، والمعلن في حينه، لقيادات قوى الحرية والتغيير وأعضاء حكومة الدكتور عبد الله حمدوك من قضية التطبيع مع إسرائيل.
وجميع هذه الوثائق والمواد ترد رداً حاسماً وقاطعاً على ما أورده الأستاذ بابكر فيصل في حوار الأمس، حين نفى أن تكون لمجموعته أو لحكومة حمدوك أي صلة بملف التطبيع مع إسرائيل وزعما، هو وأصحابه المحتشدين من ورائه، أن الملف بأكمله كان بيد رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة.
ومن بين ما وصلني وثائق رسمية صادرة عن وكالة السودان للأنباء (سونا) وإعلام مجلس الوزراء. وقد استوقفني خبر رسمي نشرته “سونا”، كما تصدر الصفحة الأولى من صحيفة “اليوم التالي” الصادرة يوم الثلاثاء 9 أبريل 2021، تحت مانشيت رئيسي يقول: “مجلس الوزراء برئاسة حمدوك يجيز مشروع قانون إلغاء قانون مقاطعة إسرائيل لسنة 1958.”
ثم عثرت على وثيقة رسمية أخرى صادرة عن وكالة السودان للأنباء بتاريخ 19 أبريل 2021، جاء فيها: “صادق الاجتماع المشترك بين مجلس السيادة ومجلس الوزراء اليوم على مشروع قانون إلغاء قانون مقاطعة إسرائيل لسنة 1958.” وهذا وحده يكفي للدلالة على أن المبادرة بإلغاء قانون مقاطعة إسرائيل انطلقت من مجلس الوزراء، قبل أن تُعرض لاحقاً على الاجتماع المشترك لإجازتها النهائية.
فانظر، هداك الله، إلى من يبادر هو وحزبه إلى إلغاء قانون مقاطعة إسرائيل، ويفتح الباب واسعًا أمام التطبيع معها، ثم يقيم الدنيا ولا يقعدها، ويجادل ويخاتل، لينفي مسؤوليته عن حذف عبارة “ما عدا إسرائيل” من جوازات السفر!
ولم أقف عند الوثائق المكتوبة، بل انتقلت إلى مقاطع الفيديو، حتى وقعت على تسجيل للحبيب محمد إبراهيم الفكي، ممثل حزب بابكر فيصل في مجلس السيادة، خلال مقابلة مع التلفزيون البريطاني. وفي ذلك الحوار نفى صراحةً أن يكون ملف التطبيع حكراً على المكون العسكري، مؤكداً أن مجلس الوزراء شريك أصيل في إدارة الملف. بل قال، بلسان مبين لا يحتمل التأويل: “نعم، الاتصال مع إسرائيل بدأ بالمكون العسكري، لكن المكون العسكري ذهب خطوة أخرى فأشرك الجميع. وأنا، على المستوى الشخصي، كنت حاضراً في كل المناقشات، وتم الاتفاق على أن نمضي جميعاً في هذا الملف، وكان السيد رئيس الوزراء عبد الله حمدوك حاضراً.”
ثم أشار الفكي إلى موقف حزب البعث الرافض للتطبيع، لكنه أوضح في الوقت نفسه أن الحكومة، برئاسة الدكتور عبد الله حمدوك، كانت مفوضة للتعامل مع هذا الملف واتخاذ ما تراه مناسباً بشأنه، ومعلوم بالطبع أن أحد أعضاء مجلس الوزراء هو الذي قام بالتوقيع على الوثيقة الإبراهيمية التي فتحت الباب مشرعاً أمام مسيرة التطبيع.
وبين يدي أيضاً بيان صادر عن الموقع الرسمي لحزب المؤتمر السوداني بتاريخ 25 أكتوبر 2020، جاء فيه: “نرحب ببداية الاتصالات مع إسرائيل وإنهاء حالة العداء معها، الأمر الذي يتطلب من جميع أبناء وبنات السودان الشرفاء إعادة تعريف علاقاتنا الخارجية لتقوم على قاعدة المصلحة الوطنية.”
ذلك هو التاريخ، وهذه هي الوثائق، وتلك هي بياناتهم وتصريحاتهم، جميعها تتحدث بصوت واحد، ولا تحتاج إلى من ينطق باسمها.
ولعل حبيبنا بابكر فيصل يراجع موقفه في ضوء هذه الوثائق الدامغة، ويتخلى عن المِراء، والمراء في اللغة هو المجادلة بقصد المغالبة لا بقصد الوصول إلى الحق. فلا تأخذه العزة بالإثم، ولا تحمله روح المكابرة على ليِّ أعناق الوقائع، أو البحث عن ثغرات ومخارج لا تغيّر من الحقيقة شيئاً، فالوقائع لا تُمحى بالإنكار، والتاريخ لا تُعاد كتابته بالروايات المتأخرة. ويبقى الميزان الذي لا يختل قول الله تعالى: (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا).









