انتشرت صورة تظهر ثعبانًا داخل كيس على مواقع التواصل الاجتماعي، وأصبحت الواقعة محور حديث المتابعين الذين وصفوها بأنها من أغرب المواقف التي شهدتها المستشفيات المصرية. وبرر الشاب الذي يبلغ من العمر 36 عامًا تصرفه غير المعتاد أمام الفريق الطبي بقوله: “جبتلكم الثعبان عشان تعرفوا نوعه”، معتقدًا أن ذلك سيساعد الأطباء على تحديد طبيعة اللدغة واختيار العلاج المناسب.
وأثار المشهد استغراب الطاقم الطبي، إلا أن وجود الثعبان ساعد بالفعل في التعرف إلى نوعه، إلى جانب الفحص الإكلينيكي للمصاب، ما أسهم في سرعة تقييم الحالة وبدء العلاج المناسب. وبعد تلقي الإسعافات والفحوص اللازمة، استقرت حالة الشاب.
وتفاعلا مع هذه القصة، حذر مختصون من تكرار مثل هذا التصرف، مؤكدين أن محاولة الإمساك بالثعبان بعد التعرض للدغة قد تعرض المصاب للدغة جديدة أو تزيد من كمية السم التي تدخل الجسم، وهو ما قد يفاقم حالته الصحية ويهدد حياته.
وتأتي هذه الواقعة بالتزامن مع تكرار ظهور الثعابين في عدد من المحافظات المصرية خلال موجات الحر، الأمر الذي أثار مخاوف السكان، لا سيما في المناطق الزراعية. وخلال شهر يوليو الجاري، شهدت محافظة الشرقية حادثتين مأساويتين، بعدما توفيت سيدة وطفل في واقعتين منفصلتين إثر تعرضهما للدغات ثعابين سامة من نوع “الكوبرا” أثناء العمل في حقول الأرز. وفقدت قرية القراقرة إحدى سيداتها، التي كانت تساعد زوجها في أعمال شتل الأرز، بعدما باغتها ثعبان سام وأودى بحياتها، قبل أن تتلقى القرية صدمة جديدة بوفاة طفل يبلغ من العمر 10 سنوات تعرض للدغة مماثلة أثناء مساعدته والده في إحدى الأراضي الزراعية. وأثارت الحادثتان حالة من الذعر بين الأهالي، الذين أكدوا تزايد ظهور الثعابين والزواحف السامة داخل الحقول بصورة غير معتادة.
وفي محافظة الغربية، تمكنت قوات الحماية المدنية قبل أيام من السيطرة على حالة من الهلع بعد رصد أفعى “كوبرا” يتجاوز طولها مترين أعلى إحدى الأشجار المطلة على طريق عام بقرية المنشأة الكبرى، إذ جرى التعامل معها سريعًا وإزالة مصدر الخطر.
مع كل صيف، يعود الحديث عن الثعابين إلى الواجهة، مدفوعًا بتكرار حوادث اللدغات وظهور الأفاعي في المناطق الزراعية والسكنية، لكن ظهورها في هذا التوقيت من العام ليس أمرًا استثنائيًا، بل يرتبط بدورة حياة طبيعية تفرضها الظروف المناخية والبيئية. ويشرح رئيس قسم الحياة البرية وحدائق الحيوان بكلية الطب البيطري بجامعة عين شمس، الدكتور عاطف محمد، أن الثعابين تمر بدورة سنوية تبدأ بفترة البيات الشتوي، إذ تختبئ داخل جحور يتراوح عمقها بين 50 و70 سنتيمترًا تحت سطح الأرض، وذلك من شهر سبتمبر حتى أبريل، هربًا من انخفاض درجات الحرارة. ويضيف أنه مع تحسن الطقس، تدخل مرحلة النشاط والتزاوج خلال شهري مايو ويونيو، قبل أن تضع بيضها في يوليو، وهو الشهر الذي يشهد ذروة ارتفاع درجات الحرارة، ثم يبدأ نشاطها في التراجع تدريجيًا خلال أغسطس، لتعود مجددًا إلى جحورها مع حلول سبتمبر إيذانًا ببداية دورة جديدة.
ويشير عاطف إلى أن مصر تضم نحو 36 نوعًا من الثعابين، بينها 9 أنواع فقط سامة، لكن خطورتها تختلف من نوع إلى آخر بحسب طبيعة السم وسرعة تأثيره وانتشاره الجغرافي. وتتصدر “الكوبرا المصرية” قائمة أخطر الأفاعي في البلاد، إذ يتراوح طولها بين متر ونصف ومترين، وتُعرف بقدرتها على فرد ضلوع الرقبة لتكوين ما يُعرف بـ”قلنسوة الكوبرا” عند الشعور بالخطر، وتنتشر هذه الأفعى في معظم محافظات وادي النيل، من الفيوم وحتى الإسكندرية، بينما يقل وجودها في شمال شرق مصر، خاصة في بورسعيد والإسماعيلية وشبه جزيرة سيناء وأجزاء من محافظة دمياط. وفي محافظات الصعيد، يبرز نوع آخر لا يقل خطورة، هو “الكوبرا البخاخة”، التي تمتلك قدرة دفاعية استثنائية تتمثل في بصق السم لمسافة قد تتجاوز مترين باتجاه عيني الإنسان عند استشعار التهديد، وهو ما قد يسبب إصابات خطيرة في العين إذا لم يتم التعامل معها سريعًا.
ويلفت عاطف إلى أن الثعابين بطبيعتها كائنات ليلية، إذ تنشط بعد غروب الشمس بحثًا عن الغذاء، مستفيدة من توافر فرائسها الرئيسية مثل الفئران والأبراص والسحالي، فيما تعتمد بعض الأنواع على افتراس الثعابين الأصغر حجما. ويضيف أن ارتفاع درجات الحرارة خلال أشهر الصيف، إلى جانب اتساع الرقعة الزراعية وزيادة النشاط البشري في الحقول، يجعل فرص الاحتكاك بين الإنسان والثعابين أكبر، وهو ما يفسر تكرار حوادث الظهور واللدغات خلال هذه الفترة من العام.
يرى العديد من المتخصصين أن التعامل مع جميع الثعابين باعتبارها خطرًا يمثل اعتقادًا خاطئًا يضر بالتوازن البيئي، إذ تؤدي العديد من الأنواع غير السامة دورًا مهما في مكافحة القوارض والضفادع والحد من انتشار الآفات الزراعية. ويوضحون أن “الكوبرا المصرية” ليست من الثعابين المائية كما يعتقد البعض، بل تفضل البيئات الجافة التي تتوافر فيها نسبة مناسبة من الرطوبة تساعدها على إتمام عملية الانسلاخ. ويؤكد الدكتور عاطف أن قتل الثعابين غير السامة لا ينصح به، لما تمثله من عنصر أساسي في المنظومة البيئية. ودعا إلى رفع الوعي بتمييز الأنواع المنتشرة في كل محافظة بدلاً من التعامل معها جميعًا بالطريقة نفسها، مشيرًا إلى أنه رغم عدم وجود قائمة مصرية خاصة بالثعابين المهددة، فإن عدداً من الأنواع الموجودة في البلاد مدرج ضمن القائمة الحمراء للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة (IUCN)، ما يستدعي الحفاظ عليها وعدم استهدافها دون مبرر.









