انتهت العمليات العسكرية الواسعة في ولاية شمال كردفان بسيطرة الجيش السوداني على المثلث الحيوي الممتد من جبرة الشيخ شمالاً، وأم سيالة جنوباً، وبارا غرباً. لا يمكن اعتبار هذه العمليات مجرد استعادة لمدن في حرب الكرامة، بل تحولاً عملياتياً يعيد رسم مركز الثقل العسكري في الغرب الأوسط من السودان.
القتال في هذه المنطقة يتجاوز السيطرة على المدن إلى السيطرة على شبكة من الطرق والمحاور والممرات الاستراتيجية التي تتحكم في حركة القوات، ومسارات الإمداد، وإيقاع العمليات العسكرية، وتؤثر في تطورات الموقف الميداني برمته. مدينة بارا تحظى بموقع محوري على المثلث الذي يربط أم درمان شرقاً، والأبيض جنوباً، ودارفور غرباً، مما يجعل السيطرة عليها تعني التحكم في حركة القوات والإمدادات بين وسط السودان وغربه. كما تدفع هذه السيطرة بخطوط إمداد قوات الدعم السريع إلى التراجع نحو أم بادر وحمرة الشيخ في أقصى شمال غرب ولاية شمال كردفان.
السيطرة على طريق الصادرات، الممتد بين الأبيض وبارا وجبرة الشيخ وأم درمان، تعني رفع مستوى التأمين على مدينة الأبيض، وفتح خط إمداد مباشر ومستقر بينها وبين العاصمة، مما يضع حداً لحالة التهديد التي أحاطت بالمدينة خلال الأسابيع الماضية. جبرة الشيخ، التي تمثل الضلع الشمالي للمثلث، تكتسب أهميتها من كونها عقدة اتصال تربط شمال كردفان بشرق دارفور. السيطرة عليها تعرقل أي محاولة للالتفاف على بارا من جهتها الشمالية الشرقية، كما تعزز قدرة الجيش على التحكم في خطوط إمداد قوات الدعم السريع القادمة من حمرة الشيخ وأم بادر، وما وراءهما حتى منطقة كربة الحِتان.
فقدت قوات الدعم السريع أهم قواعدها الخلفية في شمال كردفان، التي مثلت مراكز لتجميع القوات القادمة من دارفور، ومستودعات للذخائر والعربات القتالية، ونقاط انطلاق رئيسية للهجمات باتجاه الأبيض جنوباً، أو على امتداد طريق الصادرات شرقاً نحو أم درمان. ومع ذلك، فإن استمرار هذا الأثر مرهون بمواصلة التقدم وعدم الاكتفاء بالمكاسب الحالية، خاصة أن هذه المناطق احتضنت بنية لوجستية متقدمة، شملت مهابط للطائرات، ومستودعات للوقود والذخائر، ومراكز للتدريب.
تتطلب المحافظة على المكاسب المحافظة على السيطرة الكاملة على المدن المستعادة، ومواصلة الضغط العملياتي في اتجاهين متوازيين: الأول نحو حمرة الشيخ وأم بادر وكَربة الحِتان شمالاً وغرباً، والثاني نحو المزروب وأم صميمة والنهود والفولة وصولاً إلى بابنوسة في غرب كردفان. إذا تمكن الجيش من تحقيق ذلك، فإنه يكون قد أحكم سيطرته على أهم خطوط الإمداد التي اعتمدت عليها قوات الدعم السريع منذ اندلاع الحرب. هذه المرحلة تستوجب إحباط أي هجمات معاكسة قد تسعى إلى استعادة بعض المواقع المحررة أو إرباك خطوط الإمداد الجديدة.
إذا استقرت هذه المكاسب الميدانية، من المرجح أن تنتقل المعارك تدريجياً نحو غرب كردفان وتخوم دارفور، حيث ستكون الأولوية للسيطرة على محاور الحركة، وعقد الطرق، وشبكات الإمداد التي تشكل العصب الحقيقي لاستمرار العمليات العسكرية. سياسياً، فإن ترسيخ هذه المكاسب من شأنه أن يعزز موقف الحكومة السودانية، ويوسع هامش المناورة لديها في أي مسار تفاوضي أو ضغوط خارجية. كل تقدم ميداني يحققه الجيش يعقبه حراك سياسي ودبلوماسي خارجي يهدف إلى الحد من تأثير تلك المكاسب على ميزان القوى.
الرهان الحقيقي أمام الجيش السوداني لا يتمثل في تحقيق الانتصارات الميدانية فحسب، بل في استثمار الزخم العملياتي الناتج عنها، وتحويله إلى مكاسب استراتيجية مستدامة تسهم في تقصير أمد الحرب، وفرض معادلات جديدة في الميدان وعلى طاولة السياسة في آن واحد.








