شهدت مدينة كسلا شرقي السودان ست وقائع مختلفة خلال أربع وعشرين ساعة الماضية، قد لا تكون جديدة في طبيعتها، لكن استمرار حدوثها بهذه الصورة يثير كثيرًا من القلق والتساؤلات حول التحولات الاجتماعية والأمنية التي تشهدها الولاية.
تمثلت الواقعة الأولى في إقدام امرأة على ترك مولودها حديث الولادة أمام مسجد عبيد بحي الدرجة ثم مغادرة المكان، ليجد الطفل نفسه وحيدًا في مواجهة مصير مجهول منذ لحظاته الأولى في الحياة.
وفي المسجد ذاته وقعت الجريمة الثانية، عندما تعرضت صناديق التبرعات للسرقة بعد كسر الأقفال والاستيلاء على الأموال المخصصة لصيانة المسجد وتوفير احتياجاته الأساسية.
أما الجريمة الثالثة، فتمثلت في حادثة اختطاف طفلين، وهي واقعة تستوجب التعامل معها باعتبارها جرس إنذار حقيقي.
وتداولت وسائل الإعلام ووسائط التواصل الاجتماعي معلومات عن تعرض وفد طبي لمحاولة نهب بالقرب من منطقة الإسكان الشعبي، في حادثة قيل إنها ليست الأولى من نوعها.
أما الواقعة الخامسة، فقد تم الإبلاغ عن تعرض سيارة تتبع لمصنع نور للزبادي لإطلاق نار أثناء سيرها على الطريق القومي، في محاولة لنهب محتوياتها، وهي حادثة وقعت نهارًا وعلى طريق حيوي.
أما الواقعة السادسة، فقد تم الإبلاغ عن وقوع نحو عشرين حالة تزوير باسم والي ولاية كسلا، مما يثير تساؤلات حول الإجراءات المتخذة لملاحقة المتورطين ومنع استمرار مثل هذه الممارسات.
وتأتي هذه الأحداث بعد فترة وجيزة من إعلان الجهات المختصة ضبط خمسين ألف حبة من مخدر الكبتاغون، وهي عملية تؤكد أن الولاية تواجه تحديات حقيقية تتطلب يقظة مجتمعية وأمنية متواصلة.
إن قراءة هذه الوقائع مجتمعة تكشف أن الأمر لا يتعلق بحوادث متفرقة فحسب، بل بمؤشرات تستحق الدراسة والتحليل. فكسلا عُرفت تاريخيًا بمجتمعها المحافظ وتماسكها الاجتماعي، كما أنها تعد من أبرز المدن السودانية الجاذبة للسياحة ليس بفضل جبالها وبساتينها ونهر القاش وطبيعتها الخلابة بل باستتباب أمنها تاريخيا. ولذلك فإن المحافظة على الأمن والاستقرار تمثل ضرورة استراتيجية لحماية حاضر المدينة ومستقبلها.
اعتقد أن المرحلة الحالية تتطلب تركيزًا أكبر على قضايا الأمن المجتمعي والتعليم وبناء الإنسان، باعتبارها الركائز الأساسية لأي مشروع نهضوي مستدام. فالتنمية الحقيقية هي قدرة المجتمع على حماية أفراده، وصون قيمه، وتوفير بيئة آمنة لأطفاله وشبابه. ولهذا فإن ما شهدته كسلا خلال الأيام الماضية يجب ألا يُنظر إليه باعتباره مجرد أخبار متفرقة، بل باعتباره رسالة واضحة تستدعي الوقوف عندها بجدية، والعمل على معالجة أسبابها قبل أن تتحول إلى ظواهر أكثر تعقيدًا وتأثيرًا.









