منذ أسابيع، شهدت العلاقة بين سكان الصحراء وجيرانهم من الزواحف تحولاً إلى ما يشبه المواجهة المفتوحة. عقارب وثعابين “الطريشة” الخطيرة، التي اعتاد الأهالي التعايش معها بحذر، بدأت تقتحم المنازل والحقول بشكل غير مسبوق، مما خلف عشرات الإصابات وتثير تساؤلات عن سبب هذا السلوك المفاجئ.
لم تعد الحادثة الفردية هي ما يثير القلق، بل النمط المتكرر. ففي يومين فقط، الثلاثاء والأربعاء، أصيب 5 أشخاص بينهم طفلان بلدغات عقارب وثعابين في مراكز الوادي الجديد. وعند مراجعة الأرقام على مدى الشهر الماضي، تتضح الصورة أكثر، حيث بلغت الإصابات نحو 74 إصابة منذ مطلع يونيو، توزعت بين مركزي الخارجة والداخلة.
وفي مستشفى الفرافرة المركزي، استقبل الأطباء حالات متفرقة كان أبرزها إصابة رجل في السابعة والأربعين وسيدة في الثالثة والخمسين بلدغتي عقرب منفصلتين، فيما نقل طفل في الخامسة عشرة إلى مستشفيات الخارجة بعد أن لدغه ثعبان “الطريشة”، أحد أخطر الزواحف السامة في المنطقة.
يقول طبيب في مستشفى الداخلة العام إن ما يحدث يخالف المعتاد تماماً، فالوادي الجديد، رغم كونه من أكثر المحافظات المصرية احتواء على الزواحف السامة، لم يعتد أهاليه سوى على حالة أو حالتين أسبوعياً، بل قد تمر أسابيع كاملة دون أي إصابة، بفضل خبرة السكان المتوارثة في التعامل مع هذه الكائنات.
لكن المعادلة تغيرت مع الارتفاع الحاد في درجات الحرارة، بحسب الطبيب، الذي يرى أن العقارب والثعابين القاطنة في المناطق الجافة بدأت تزحف نحو الأماكن الأكثر رطوبة، كالمنازل والحقول ومصارف المياه، بحثاً عن ملاذ أكثر برودة.
ويوضح أن التعامل مع لدغات العقارب بات أسهل نسبياً بفضل الأمصال المتوفرة، بينما تبقى لدغات الكوبرا والطريشة الأخطر على الإطلاق، إذ إن التأخر في الإسعاف قد يودي بحياة المصاب خلال وقت قصير.
يكشف مصدر في ديوان عام المحافظة أن الأزمة ليست وليدة الأيام الأخيرة، فقد بدأت الموجة قبل نحو أسبوعين، حين سجلت إصابة 74 شخصاً تقريباً منذ بداية يونيو. وفي 27 يونيو وحده، أصيب أربعة أشخاص من بينهم طفل عمره أربع سنوات.
ويؤكد المصدر أن مديرية الصحة والسكان في المحافظة جهزت نفسها لهذا السيناريو، بتوفير كميات وافرة من الأمصال المضادة للسموم في الوحدات الصحية القروية الـ62 والمستشفيات السبعة، في إطار حالة استنفار دائمة تفرضها طبيعة المحافظة الصحراوية كل صيف، خاصة مع موجات الحر الحالية.
ويرى الدكتور محمود رضوان، خبير الأحياء البرية والزواحف، أن ما يجري “غير معتاد لكنه مبرر”، فالحرارة الشديدة تدفع الزواحف للهروب من مكامنها بحثاً عن بيئة أكثر اعتدالاً.
لكن الخطر الحقيقي، بحسب رضوان، لا يكمن فقط في الزواحف نفسها، بل في الفجوة المعرفية بين المناطق. فبينما يعرف سكان الوادي الجديد كيف يتعايشون مع جيرانهم من العقارب والثعابين منذ أجيال، فإن سكان قرى الوجه البحري كالشرقية والقليوبية لا يملكون الخبرة ذاتها، ما يجعلهم أكثر عرضة للخطر إذا امتدت الظاهرة إلى مناطقهم.
ويقدم رضوان خلاصة عملية لكل من يتعرض للدغة: تثبيت المصاب وتجنيبه أي حركة زائدة، نزع الخواتم والساعات فوراً، التوجه مباشرة لأقرب مستشفى أو نقطة طوارئ، مع تجنب الأخطاء الشائعة كمحاولة امتصاص السم أو شق مكان اللدغة أو ربط الطرف المصاب. فالهلع والحركة، كما يشرح، يسرعان ضربات القلب، ما يعجل بانتشار السم في الجسم، بينما يكفي غسل موضع اللدغة بالماء والصابون بلطف وتثبيته في وضع مستقيم ومريح ريثما يصل المصاب إلى الرعاية الطبية.









