كشف الخبير والمحلل العسكري محمد مصطفى، عن تكتيك الجيش السوداني في إسقاط المسيرات المعادية التي تطلقها قوات الدعم السريع من مطارات داخل السودان، مثل نيالا، أو من الجوار مثل إثيوبيا وتشاد، آخرها عملية إسقاط مسيرة من طراز FH-95 وهي الثالثة خلال شهر واحد.
وكتب مصطفى تحليلا بعنوان “الدورية الجوية القتالية”، مشيراً إلى أن الدورية الجوية القتالية تعد واحدة من أعقد وأهم التكتيكات الجوية المستمرة التي تُطبق لحماية الأجواء وضمان السيطرة الكاملة على نطاق جغرافي محدد. تقوم الفكرة الجوهرية لهذا المفهوم على فرض سيادة جوية مطلقة أو تحقيق حالة من منع الوصول والرفض الجوي للقوات المعادية، وذلك من خلال إبقاء طائرات مقاتلة أو طائرات مسيرة هجومية ومستطلعة في حالة تحليق دائم ومستمر داخل مربع عملياتي معين.
لا تنتظر هذه الطائرات وقوع الهجوم لتنطلق من قواعدها الأرضية، بل تكون بالفعل في الجو، مجهزة بكامل عتادها وتسليحها من صواريخ جو-جو وأنظمة رصد متطورة، مما يقلص زمن الاستجابة لأي تهديد إلى بضع ثوانٍ فقط، بدلاً من الدقائق الثمينة التي يتطلبها الإقلاع الفوري من الممرات الأرضية.
يرتبط نجاح هذه الدوريات الجوية ارتباطاً وثيقاً بشبكة متكاملة من أدوات الرصد والتحكم، حيث لا تعمل المقاتلة أو المسيرة بمعزل عن محيطها. يتم توجيه هذه الدوريات عبر منظومة رادارية متعددة الطبقات تشمل الرادارات الأرضية الإنذار المبكر ورادارات الطائرات نفسها، حيث ترصد الأجواء على مسافات شاهقة وتكشف أي تحرك مشبوه أو اختراق صامت من الطائرات المعادية أو الصواريخ الجوالة، عبر استخبارات أرضية أو عبر الرصد الراداري ثم تقوم بنقل البيانات اللحظية والإحداثيات الدقيقة إلى المقاتلات أو المسيرات التي تنفذ الدورية الجوية القتالية عبر وصلات بيانات مشفرة وآمنة، مما يمنح الطيارين أو مشغلي المسيرات رؤية بانورامية كاملة للمسرح القتالي قبل مواجهة العدو بصرياً.
عندما يدخل أي هدف جوي معادٍ أو غير معرف إلى النطاق الجغرافي المحمي، تبدأ مرحلة الاعتراض والاشتباك الفوري بناءً على قواعد الاشتباك الصارمة المحددة مسبقاً. في حالة الطائرات المقاتلة المأهولة، يمتلك الطيار القدرة على اتخاذ القرار التكتيكي السريع بالاشتباك باستخدام صواريخ رادارية خلف مدى الرؤية البصرية أو صواريخ حرارية قصيرة المدى. ولنا في الـ Mig29 الخاصة بناء قوة كبيرة فهي مقاتلة سيادة جوية ممتازة.
بينما في حالة الطائرات المسيرة الحديثة مثل الأكينجي التي قامت بعمليات إسقاط ناجحة لثلاث مسيرات قتالية معادية وبث الجيش عمليات الإسقاط من داخل شاشة القتال والتحكم الخاصة بالمسيرة، يتم التنسيق بين الذكاء الاصطناعي والمشغلين في غرف التحكم الأرضية لتحقيق ذات الهدف.
تهدف عملية الإسقاط الفوري للهدف إلى إرسال رسالة ردع حاسمة وإحباط الهجوم المعادي في مهدته قبل وصوله إلى الأهداف الحيوية أو القواعد الأرضية أو التجمعات العسكرية التي توفر لها هذه الدورية الغطاء الأمني.
تتعدد أنواع هذه الدوريات بحسب المهمة المسندة إليها وحجم التهديد المتوقع. فهنالك دوريات مخصصة لحماية حاملات الطائرات والقطع البحرية في عرض البحر من الهجمات الجوية الخاطفة، وهنالك دوريات تُعنى بحماية الحدود البرية الطويلة ومنع التسلل الجوي، ودوريات أخرى تُعرف بالدورية الجوية القتالية الإنقاذية التي تحمي الطائرات التي تبحث عن الطيارين الناجين في أراضي العدو.
ومع دخول الطائرات المسيرة ذات البصمة الرادارية المنخفضة والقدرة العالية على البقاء في الجو لفترات تتجاوز الأربع والعشرين ساعة، شهد هذا التكتيك ثورة حقيقية، حيث خففت المسيرات العبء البدني والمادي عن الطيارين البشر وطائرات الجيل الخامس، وأصبحت قادرة على إدارة وتسيير هذه الدوريات بكفاءة وجودة عالية وضمن تكلفة اقتصادية وعسكرية أقل بكثير، مما جعل الدورية الجوية القتالية العمود الفقري للدفاع الجوي الحديث في الحروب المعاصرة.









