دخل لبنان في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، الدولة التي لا يقيم معها علاقات دبلوماسية، في خطوة جاءت بعد اندلاع الحرب الأخيرة في 2 مارس إثر إطلاق حزب الله الحليف لطهران، صواريخ على إسرائيل، والتي قال إنها ردا على مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي في مستهل الحرب في الشرق الأوسط.
وردت إسرائيل بحملة واسعة من الغارات الجوية والاجتياح البري، ما أسفر عن مقتل أكثر من أربعة آلاف ومئتي شخص بحسب السلطات اللبنانية.
أكدت إسرائيل أنها لن تنسحب من الأراضي اللبنانية التي تحتلها ما لم يُنزع سلاح الحزب، مما يثير تساؤلات حول العقبات والتحديات التي تنتظر تطبيق هذا الاتفاق.
رغم أن الاتفاق الإطاري تضمن لأول مرة إشارة إلى “إعادة انتشار” إسرائيلية من لبنان، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن قواته ستبقى في المناطق التي تحتلها في جنوب لبنان وهي ما أسماها “منطقة أمنية”، معتبرا أن “هذا إنجاز كبير، وسنحافظ عليه طالما لم يتم نزع سلاح حزب الله”.
وأضاف أن السكان الذين نزحوا من “المنطقة الأمنية” لن يُسمح لهم بالعودة، بموجب الاتفاق الجديد.
وإسرائيل أعلنت أن الجيش تلقى أوامر بالاستعداد لـ”بقاء طويل” في المناطق التي يحتلها في جنوب لبنان. ويشير رئيس قسم الدراسات السياسية والدولية في الجامعة اللبنانية الأميركية عماد سلامة إلى أن أحد أوجه القصور في الاتفاق هو أنه “لا يضمن انسحابا إسرائيليا كاملا من المناطق المحتلة أو تقييدا كبيرا للعمليات العسكرية الإسرائيلية في جنوب لبنان”.
وأوضح سلامة أنه “من دون التزامات إسرائيلية واضحة، قد يظل كثير من سكان الجنوب يواجهون انعدام الأمن، وتأخر إعادة الإعمار، وصعوبة العودة إلى الحياة الطبيعية رغم الاتفاق”.
وشنت إسرائيل غارات جديدة على جنوب لبنان أدّت إلى مقتل شخص على الأقل بحسب وزارة الصحة.
وينص الاتفاق الإطاري على أن يستعيد الجيش اللبناني تدريجا السيطرة على أراضي البلاد، بدءا من “منطقتين تجريبيتين”. وسيتم تحديد هاتين المنطقتين بالتنسيق مع الجيش الإسرائيلي الذي سيخلي له المكان تدريجا بمجرد نزع سلاح “الجماعات المسلحة غير الحكومية” وتفكيك بنيتها التحتية.
وسيتم لاحقا تحديد “مناطق تجريبية” أخرى بموجب اتفاق متبادل. غير أن الجيش اللبناني لن يتولى المسؤولية الأمنية الكاملة في هذه المناطق إلا بعد “التأكد” من نزع سلاح الجماعات المسلحة غير التابعة.
رفض حزب الله بشكل حازم منذ البداية المفاوضات المباشرة التي بدأها لبنان مع إسرائيل، مطالبا السلطات بدلا من ذلك بالاعتماد على مسار مفاوضات طهران وواشنطن في وقت يشمل تفاهم أبرمه الطرفان وقفا للعمليات القتالية في لبنان.
وخاض حزب الله على مدى عقود عدة جولات من القتال مع إسرائيل ما دفعها للانسحاب من الأراضي اللبنانية في العام 2000 بعد احتلال دام قرابة عقدين.
وفي حين اعتبر الرئيس اللبناني جوزيف عون الاتفاق “خطوة أولى” على طريق استعادة “السيادة”، رأى فيه الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم “سقطة مريعة” و”تنازلا عن السيادة”، ووصفه بأنه “منعدم الوجود”.
وحذّر النائب في البرلمان عن حزب الله حسن فضل الله الجمعة من أن الاتفاق لا يمكن “فرضه” سوى من خلال “حرب أهلية”. وبدوره، حذّر رئيس البرلمان نبيه بري السبت من “الفتنة”، وخرج مناصرون لحزب الله إلى شوارع بيروت ليل الجمعة احتجاجا على الاتفاق.
ويشير سلامة إلى أن رفض حزب الله للاتفاق كان متوقعا، لكن “السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت المعارضة ستبقى في الإطار السياسي أم ستتطور إلى مواجهة مباشرة مع الجيش اللبناني، ولا سيما إذا حصلت الدولة على دعم عسكري ومالي أكبر من الولايات المتحدة وشركائها”.
وجاء في الاتفاق أن لبنان “يطلب دعم الشركاء الدوليين، ولا سيما الشركاء العرب، بقيادة الولايات المتحدة”، لتحقيق “النزع الكامل والموثّق لسلاح جميع الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة”.
وأكّد الجيش اللبناني في بيان السبت أنه لن يسمح “بأي إخلال بالأمن أو مساس بالسلم الأهلي من خلال تحركات غير محسوبة النتائج، أو قطع الطرقات أو التعدي على الأملاك العامة والخاصة”.
يعتمد تطبيق الاتفاق وفق محللين إلى حدّ كبير على حسابات إيران الداعمة حزب الله. وبرز وقف إطلاق النار في لبنان كأحد عناصر الضغط في محادثات طهران وواشنطن، حيث أغلقت إيران مضيق هرمز ردا على ضربات على لبنان وهدّدت بالانسحاب من المحادثات إن واصلت إسرائيل هجماتها.
وبينما تحاول السلطات اللبنانية فصل مسار المفاوضات مع إسرائيل عن مفاوضات طهران وواشنطن، قال الباحث في مجموعة الأزمات الدولية هيكو فيمن إنه في حين قد تتمكن الحكومة من “استعادة السيطرة على مسار العملية” بعد الاتفاق الأخير، فإن “النفوذ الإيراني في لبنان لا يزال حاضرا وبقوة”.
ويرى سلامة أن تنفيذ اتفاق الإطار “سيعتمد في المقام الأول على الحسابات الاستراتيجية لإيران”، مضيفا: “يتعين على طهران أن تقرر ما إذا كانت فوائد مواصلة الانخراط مع واشنطن وتخفيف العقوبات تفوق كلفة الحفاظ على نفوذها العسكري في لبنان، والذي أصبح مكلفا أكثر من أي وقت مضى”.









