Home / سياسة / الأبيض السودان على شفير كارثة إنسانية وتحول جديد في التوازنات العسكرية

الأبيض السودان على شفير كارثة إنسانية وتحول جديد في التوازنات العسكرية

الأبيض السودان على شفير كارثة إنسانية وتحول جديد في التوازنات العسكرية

حذرت الخبيرة في مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية، د. أماني الطويل، من تداعيات سقوط مدينة الأبيض السودانية في يد الدعم السريع، وفقًا للتطورات الجارية والتحذيرات الدولية المصاحبة لذلك. وقالت إن ذلك يعني تحول بيانات الحفاظ على وحدة السودان وعدم الاعتراف بكيانات موازية إلى محتوى غير واقعي، ولا يجوز تكراره كموقف دبلوماسي مصري، كما يعني مزيدًا من التدفق السوداني نحو مصر بعد فقدان كل أمل في وقف الحرب السودانية، كعمل عسكري ووقف التصنيف العرقي كفعل سياسي واجتماعي.

وأشارت الطويل إلى أن وصول التحذيرات الدولية بشأن احتمال تعرض مدينة الأبيض لاجتياح واسع من جانب قوات الدعم السريع إلى مجلس الأمن الدولي، لم يكن مجرد تطور جديد في مسار الحرب السودانية الممتدة منذ أكثر من ثلاث سنوات، بل بدا تعبيرا عن حالة من القلق المتصاعد داخل الأوساط الأممية والغربية من إمكانية تكرار السيناريو الذي شهدته مدينة الفاشر، وما ارتبط به من عجز دولي عن منع انهيار مركز حضري رئيسي، وتحوله إلى ساحة مفتوحة للانتهاكات الجماعية، والنزوح القسري، والتغيرات الديموجرافية ذات الأبعاد العرقية.

وأضافت أن الحرب السودانية خلال العامين الماضيين لم تعد يتم قراءتها باعتبارها صراعا بين مؤسستين عسكريتين متنافستين على السلطة، وإنما أصبحت أزمة مركبة تتداخل فيها اعتبارات بناء الدولة، والصراعات المحلية حول الموارد، والتوازنات العرقية، والتنافسات الإقليمية، فضلا عن التداعيات الإنسانية.

وذكرت أن مدينة الأبيض اليوم مرشحة للتحول إلى نقطة جديدة في الحرب، وربما إلى محطة أكثر حساسية من الفاشر نفسها، بالنظر إلى موقعها الجغرافي، وأهميتها الاقتصادية، وطبيعة تركيبتها الاجتماعية، وتأثير السيطرة عليها في إعادة رسم التوازنات العسكرية داخل السودان.

وأشارت إلى أن المقارنة بين التحذيرات المتعلقة بالفاشر وتلك الخاصة بالأبيض تكشف عن تحول مهم في إدراك المجتمع الدولي لطبيعة الحرب السودانية. ففي حالة الفاشر، كانت المؤشرات المبكرة للأزمة واضحة منذ بداية عام 2024، وشهدت المدينة حصارا تدريجيا فرضته قوات الدعم السريع على منافذ الدخول والخروج، وتعرضت خطوط الإمداد الإنسانية للانقطاع، بينما أخذت مخيمات النازحين، وعلى رأسها مخيم زمزم، تدخل مرحلة المجاعة الفعلية. وفي الوقت نفسه، كانت التقارير الحقوقية تتحدث عن وجود مخاطر جدية لوقوع جرائم تستهدف مجموعات سكانية بعينها، استنادا إلى السوابق التي شهدتها مدن غرب دارفور، وخاصة الجنينة.

ولم يتجاوز تعامل المجتمع الدولي مع تلك المؤشرات حدود البيانات السياسية، والدعوات إلى فتح ممرات إنسانية، والتلويح بفرض عقوبات على بعض القيادات الميدانية، ولم تقتصر تداعيات سقوط الفاشر على الجانب الإنساني فقط، وإنما امتدت إلى المجال السياسي والعسكري، حيث أدى سقوط المدينة إلى تكريس هيمنة الدعم السريع على معظم إقليم دارفور، وإلى إضعاف قدرة الجيش السوداني على المناورة غرب البلاد.

وأشارت إلى أن التحذيرات المتعلقة بالأبيض جاءت في مرحلة أكثر تقدما من حيث الاستعداد السياسي، وقد جرى طرح المسألة بصورة مباشرة داخل مجلس الأمن، كما تحدثت أطراف أممية وغربية عن وجود مخاطر وشيكة لارتكاب فظائع جماعية، وعن ضرورة التحرك بصورة استباقية.

وأوضحت أن هذا الاختلاف يكشف عن أن المجتمع الدولي يحاول هذه المرة تجنب تكرار ما يمكن وصفه بـ”عقدة الفاشر”، أي امتلاك المعرفة الكافية بالمخاطر دون القدرة أو الإرادة السياسية لمنع وقوعها، مشيرة إلى أن الفاشر تمثل العاصمة التاريخية والسياسية لدارفور، بينما تمثل الأبيض أحد أهم الأعمدة الاقتصادية للدولة السودانية.

وأضافت أن مدينة الأبيض، التي عرفت تاريخيا باسم عروس الرمال، لم تكتسب مكانتها من حجمها السكاني فقط، وإنما من وظيفتها الاقتصادية الممتدة عبر قرون طويلة، وكانت منذ القرن التاسع عشر نقطة التقاء للقوافل التجارية القادمة من دارفور ووسط إفريقيا والمتجهة نحو وادي النيل والبحر الأحمر، وقد أسهم موقعها الجغرافي في تحويلها إلى مركز لتجميع المنتجات الزراعية والحيوانية، وإلى سوق إقليمية لعبت دورا محوريا في تشكيل الاقتصاد السوداني التقليدي.

وأشارت إلى أن مع تطور الدولة السودانية الحديثة، أصبحت المدينة مركزا رئيسيا لتجارة الصمغ العربي، وهو المنتج الذي احتفظ السودان لعقود طويلة بالموقع الأول عالميا في إنتاجه وتصديره، كما برزت الأبيض بوصفها سوقا مركزية للماشية والحبوب الزيتية، ولا تتوقف أهمية المدينة عند النشاط التجاري، وإنما تمتد إلى قطاع النقل والخدمات اللوجستية، حيث تمثل عقدة مواصلات تربط بين دارفور وكردفان من جهة، والخرطوم والولايات الشمالية والشرقية من جهة أخرى، وتضم شبكة طرق استراتيجية، وخطوط سكك حديدية، ومطارا مدنيا وعسكريا، فضلا عن مخازن وساحات تجارية تشكل جزءا مهما من البنية الاقتصادية للبلاد.

ونوهت إلى أن المدينة تعد مركزا لتداول رؤوس الأموال المحلية المرتبطة بالنشاط الزراعي والرعوي، وهو ما جعلها تحتفظ بدور اقتصادي مؤثر حتى خلال سنوات الحرب، رغم ما تعرضت له من ضغوط متزايدة، مشيرة إلى أن الأبيض تمثل بالنسبة للجيش السوداني ما يشبه خط الدفاع المتقدم عن وسط السودان، فهي بها قيادة الفرقة الخامسة مشاة، وتعد إحدى أهم القواعد العسكرية في إقليم كردفان، وتتحكم في محاور الحركة الممتدة نحو النيل الأبيض والخرطوم، وتتيح للجيش الاحتفاظ بقدرة على المناورة بين دارفور والولايات الوسطى.

وأشارت إلى أن السيطرة على الأبيض ستوفر للدعم السريع مكاسب استراتيجية متعددة ستسمح بربط مناطق النفوذ الممتدة من نيالا والضعين والفاشر وصولا إلى كردفان في نطاق جغرافي متصل، وستفتح المجال أمام الضغط على الولايات الوسطى، وربما تهديد خطوط الإمداد المتجهة نحو شرق السودان، وستعزز من قدرة الدعم السريع على تقديم نفسه بوصفه سلطة مهيمنة على معظم غرب السودان، بما يمنحه أوراقا تفاوضية إضافية في أي عملية سياسية مستقبلية.

وأضافت أن الجانب الأكثر إثارة للقلق في التحذيرات الدولية يتعلق بالأبعاد العرقية، موضحة أن الحرب السودانية أظهرت أن الانقسامات الإثنية لم تعد مجرد خلفية اجتماعية للنزاع، بل أصبحت في بعض المناطق أحد محركاته الأساسية، مشيرة إلى أن في دارفور تداخل الصراع العسكري مع تنافسات قديمة حول الأرض والمراعي والسلطة المحلية، وأدت عمليات التعبئة المسلحة إلى إعادة إنتاج ثنائيات العرب وغير العرب بصورة أكثر حدة، وقد ارتبط اسم الدعم السريع، بحكم جذوره الاجتماعية وتكوينه الأول، ببعض المجموعات العربية الرعوية، بينما ارتبطت المقاومة المحلية في أجزاء من دارفور بمكونات إثنية أخرى، خاصة الزغاوة والفور والمساليت.

وأشارت إلى أن الانتهاكات الواسعة التي شهدتها الجنينة والفاشر ساهمت في ترسيخ شعور عميق بالخوف لدى المجتمعات غير العربية من أي تقدم عسكري جديد للدعم السريع، مشيرة إلى أن في الأبيض تبدو المعادلة أكثر تعقيدا، فهي ليست ذات أغلبية عرقية واحدة، بل تمثل نموذجا مصغرا للتنوع السوداني، وتضم قبائل الجوامعة والحمر والكبابيش ودار حامد وكنانة والهواوير، إلى جانب أعداد كبيرة من سكان دارفور الذين نزحوا خلال العقود الماضية، فضلا عن مجموعات من النوبة والتجار القادمين من مناطق مختلفة.

ونوهت إلى أن هذا التنوع كان تاريخيا مصدر قوة للمدينة، لكنه قد يتحول في ظل الحرب الحالية إلى عامل هشاشة إذا جرى توظيفه في التعبئة العسكرية أو في عمليات الانتقام المتبادل، موضحة أن خسارة الأبيض قد تكون أكثر تأثيرا على مستقبل السودان من خسارة الفاشر، لأن الفاشر تقع ضمن إقليم أصبح إلى حد كبير ساحة حرب مفتوحة منذ سنوات طويلة، بينما تقع الأبيض في منطقة تشكل جسرا بين السودان النيلي والسودان الغربي.

وأشارت إلى أن سقوطها قد يسرع من تشكل وقائع سياسية جديدة تقوم على وجود مناطق نفوذ شبه مستقلة، بما يعزز المخاوف المتعلقة بتفكك الدولة السودانية، موضحة أن الأبيض تستضيف أعدادا ضخمة من النازحين الذين فروا أصلا من الفاشر ودارفور، الأمر الذي يعني أن تعرضها للحصار أو الاقتحام سيؤدي إلى موجة نزوح ثانية أكثر تعقيدا، لأن الخيارات المتاحة أمام المدنيين ستكون محدودة للغاية.

وأضافت أن قضية الأبيض اختبارا حقيقيا لما إذا كان المجتمع الدولي قد استوعب دروس الفاشر أم لا، مشيرة إلى أن السودان خلال السنوات الماضية تحول إلى نموذج للأزمات التي تتراكم فيها المعلومات المبكرة عن المخاطر، دون أن تتوافر الإرادة السياسية الكافية لمنع تحولها إلى كوارث إنسانية، موضحة أن تجربة الفاشر أثبتت أن البيانات الدولية وحدها لا توقف الجيوش، وأن التحذيرات الأخلاقية لا تغير حسابات الفاعلين المسلحين، ما لم تقترن بضغوط اقتصادية وسياسية وإقليمية مؤثرة.

وأشارت إلى أن المعركة المحتملة حول الأبيض تتجاوز حدودها المحلية، فهي معركة حول مستقبل الدولة السودانية، وإلى محطة إضافية في سلسلة الأزمات التي تتطلب رؤية استراتيجية دولية أكثر فعالية.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *