كشف تقرير للصحفي البريطاني مارك تاونسند في صحيفة الغارديان عن واحدة من أخطر الشهادات المنتظرة أمام البرلمان البريطاني بشأن حرب السودان، إذ تؤكد إفادة ناثانيال ريموند، مدير مختبر البحوث الإنسانية في جامعة ييل، أن الحكومة البريطانية امتلكت منذ وقت مبكر معلومات حساسة تربط الإمارات وإثيوبيا بدعم مليشيا الدعم السريع، لكنها تعاملت مع هذه المعلومات بحسابات سياسية مرتبطة بعلاقتها مع أبوظبي.
بحسب الإفادة، أبلغ مسؤولون في وزارة الخارجية البريطانية ريموند في مايو 2024 أن “ضغوطاً خاصة كبيرة” من الإمارات حدّت من قدرة لندن على كشف معلومات تربط أبوظبي وأديس أبابا بتسليح ودعم قوات الدعم السريع. وتقول الشهادة إن مختبر البحوث الإنسانية تتبع بيانات هواتف تحركت بين العاصمة الإثيوبية أديس أبابا ومناطق تسيطر عليها المليشيا في السودان، كما رصد انتقال بعض الهواتف إلى عناوين داخل الإمارات يعتقد أنها شركات واجهة مرتبطة بقيادات في قوات الدعم السريع. وطلب مسؤولو وزارة الخارجية البريطانية من ريموند أن ينشر علناً تحليل بيانات الهواتف الذي يربط منشآت داخل الإمارات بقوات الدعم السريع، لأن الحكومة البريطانية لم تكن قادرة على فعل ذلك.
وتزداد خطورة الشهادة لأنها تربط هذا الصمت البريطاني بكارثة الفاشر، حيث يقول ريموند إن تقدير مقتل ما لا يقل عن 60 ألف مدني بعد سقوط المدينة تحول داخل وزارة الخارجية البريطانية إلى “مشكلة سياسية”، رغم أن الرقم لا يشمل ضحايا المجاعة أو ضحايا القصف أثناء الحصار. وتشير الإفادة أيضاً إلى أن مسؤولاً بريطانياً في الأمم المتحدة عبّر عن اليأس من غياب أي تحرك من حكومة ستارمر بينما كانت الفاشر على وشك السقوط، وسط معلومات استخباراتية تفيد بأن وقوع فظائع جماعية كان أمراً حتمياً.
وتضع هذه التفاصيل بريطانيا في موضع مساءلة مباشر، خاصة أنها الدولة الحاملة للقلم بشأن السودان في مجلس الأمن الدولي، أي الجهة التي كان يفترض أن تقود الجهد الدولي لمنع الفظائع وحماية المدنيين. غير أن شهادة ريموند ترسم صورة مختلفة تماماً: لندن كانت تعرف، وكانت تتلقى التحذيرات، وكانت تملك مؤشرات مبكرة على شبكات الدعم الخارجي للمليشيا، ثم اختارت مساراً يراعي علاقتها الاقتصادية والأمنية والدبلوماسية مع الإمارات.
وبينما كان المدنيون في الفاشر يواجهون الحصار والجوع والقتل الجماعي، كانت الحكومة البريطانية، بحسب الإفادة، تتعامل مع واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في القرن الحادي والعشرين من داخل حسابات العلاقة مع أبوظبي. هذه الشهادة تفتح باباً واسعاً لمساءلة لندن عن دورها في تعطيل كشف الحقائق، وعن ثمن الصمت الدولي أمام الجرائم التي ارتكبتها مليشيا الدعم السريع المدعومة من الإمارات في السودان.
نواب بريطانيون سيستمعون إلى أن لندن قدّمت علاقاتها مع الإمارات على منع فظائع جماعية في السودان محقق حقوقي من جامعة ييل سيبلغ لجنة برلمانية بأن وزارة الخارجية البريطانية تقاعست عن التحرك إزاء تحذيرات من الإبادة الجماعية بسبب “ضغوط” من الإمارات
كان الحكومة البريطانية قد تلقت معلومات استخباراتية تفيد بأن إثيوبيا بدت وكأنها تدعم مليشيا متورطة في الإبادة الجماعية في الحرب الأهلية السودانية منذ عام 2024، لكنها امتنعت عن إعلان ذلك خشية إغضاب دولة الإمارات العربية المتحدة، بحسب ما ستستمع إليه لجنة برلمانية.
في مايو 2024، أبلغ مسؤولون في وزارة الخارجية والكومنولث والتنمية البريطانية ناثانيال ريموند، وهو محقق حقوقي أمريكي في جامعة ييل، بأن “ضغوطاً خاصة كبيرة” من الإمارات تعني أن بريطانيا لن تكشف علناً معلومات تربط إثيوبيا والإمارات بدعمهما لقوات الدعم السريع شبه العسكرية.
ولم يُكشف دور إثيوبيا في الحرب الأهلية السودانية للعلن إلا في وقت مبكر من هذا العام. ولا تزال إثيوبيا تنفي أي تورط.
وفي إفادة أمام لجنة برلمانية مختارة يوم الثلاثاء، سيقول ريموند إن الحكومة البريطانية كانت أكثر اهتماماً بالحفاظ على علاقاتها مع الإماراتيين من اهتمامها بمنع وقوع فظائع جماعية في السودان.
وتحقق لجنة التنمية الدولية في مجلس العموم في استجابة بريطانيا لمنع الفظائع، وذلك عقب تقارير نشرتها صحيفة الغارديان حول تعامل وزارة الخارجية البريطانية مع سيطرة قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر العام الماضي.
وسيركز ريموند أيضاً على ما يصفه بـ“الجهود البريطانية الفاشلة لمنع القتل الجماعي” لعشرات الآلاف من الأشخاص خلال المذبحة الإبادية التي ارتكبتها قوات الدعم السريع في الفاشر. وستتضمن إفادته تفاصيل عن محاولة مسؤول كبير في وزارة الخارجية البريطانية التقليل من حجم حصيلة القتلى الهائلة في الفاشر لأسباب “سياسية”.
وبعد سقوط الفاشر في يد قوات الدعم السريع، عقب حصار استمر 18 شهراً، قدّم ريموند، مدير مختبر البحوث الإنسانية في جامعة ييل، إحاطة خاصة إلى لجنة التنمية الدولية أفاد فيها بأن ما لا يقل عن 60 ألف مدني قُتلوا. واتصل مسؤول معني بمنع الفظائع في وزارة الخارجية البريطانية بريموند ليسأله ما إذا كان الرقم مرتفعاً أكثر من اللازم. ورد ريموند بأن الرقم الذي قدمه لا يشمل الوفيات الناتجة عن المجاعة أو عن قصف قوات الدعم السريع للمدينة أثناء الحصار.
وقال ريموند في إفادة مكتوبة ستُقدَّم إلى اللجنة: “شرحت الحسابات. وذكرت أن عدد الأشخاص الذين قتلتهم قوات الدعم السريع بشكل منهجي بعد السيطرة على المدينة ربما كان، في الواقع، أعلى من ذلك”.
وأضاف: “ناقشتُ الأرقام بمزيد من التفصيل مع مسؤول وزارة الخارجية والكومنولث والتنمية البريطانية. وبدأت أعتقد أن هذا التقدير، أي مقتل ما لا يقل عن 60 ألف شخص على يد قوات الدعم السريع، كان يمثل مشكلة سياسية للوزارة”.
واستناداً إلى ثلاث سنوات من الرسائل المشفرة، وملاحظات الاجتماعات الداخلية، والمذكرات، وسجلات المكالمات الهاتفية بين مختبر البحوث الإنسانية ووزارة الخارجية البريطانية، ستكشف إفادة ريموند أيضاً كيف أن مسؤولاً بريطانياً في الأمم المتحدة “عبّر عن اليأس من غياب أي إجراء محتمل من حكومة ستارمر بينما كانت المدينة على وشك السقوط”، وذلك في 26 سبتمبر 2025، وسط معلومات استخباراتية تشير إلى أن وقوع فظائع جماعية كان أمراً حتمياً.
وترتبط إفادات ريموند حول التورط الإثيوبي الطويل الأمد في حرب السودان باجتماع عُقد في 15 مايو 2024، عندما التقى بمسؤولين من وزارة الخارجية البريطانية في لندن، وشاركهم بيانات مجمعة من هواتف محمولة داخل مقار قوات الدعم السريع، وذلك خلال مناقشات حول تدهور الوضع في الفاشر.
وكان مختبر البحوث الإنسانية قد تتبع أجهزة هاتف تنتقل بين العاصمة الإثيوبية، أديس أبابا، ومناطق خاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع في السودان.
وسيبلغ ريموند اللجنة أن بعض الهواتف انتقلت من مواقع تابعة لقوات الدعم السريع إلى عناوين في الإمارات، يعتقد مختبر البحوث الإنسانية أنها شركات واجهة مرتبطة بنائب قائد قوات الدعم السريع، عبد الرحيم دقلو.
وانتقل أحد الهواتف من أديس أبابا إلى أبوظبي خلال أربع ساعات، رغم عدم وجود بيانات رسمية لحركة الطيران أو رحلات تجارية مجدولة تطابق هذا المسار، وهو ما يشير إلى محاولات متعمدة لتفادي الرصد.
وطلب مسؤولو وزارة الخارجية البريطانية من ريموند أن ينشر علناً تحليل بيانات الهواتف الذي يربط منشآت داخل الإمارات بقوات الدعم السريع، لأن الحكومة البريطانية لم تكن قادرة على فعل ذلك. وسيقول ريموند للجنة: “أبلغوني أن بريطانيا كانت تواجه ضغوطاً خاصة كبيرة خلف الكواليس من الإمارات، مما حدّ من قدرتها على التأثير في الوضع”.
وأضاف: “اقترح موظفو وزارة الخارجية البريطانية أن قيام مختبر البحوث الإنسانية بنشر هذه المعلومات يمكن أن يساعد في تحييد هذه الجهود الإماراتية الرامية إلى منع بريطانيا من ربطها بتسليح قوات الدعم السريع”. وفي ذلك الوقت، لم يكن مختبر البحوث الإنسانية قادراً على مشاركة بيانات الاتصالات علناً، لأن ذلك كان سيعرّض المصادر وطرق العمل للخطر. ومع ذلك، شارك المختبر البيانات سراً مع الولايات المتحدة لدعم فرض عقوبات على شركات واجهة مرتبطة بدقلو.
وأصبحت تفاصيل تورط إثيوبيا في النزاع السوداني علنية في فبراير، بعدما أفادت وكالة رويترز بأن أديس أبابا كانت تستضيف معسكراً لتدريب مقاتلي قوات الدعم السريع. وقالت رويترز إن هذه الخطوة كانت مدعومة من حليف إثيوبيا الوثيق، الإمارات.
ونفت إثيوبيا هذه التقارير، كما نفتها الإمارات أيضاً، التي أنكرت مراراً اتهامات تمويل وتسليح قوات الدعم السريع. وسيبلغ ريموند النواب أنه يعتقد أن وزارة الخارجية البريطانية أعطت الأولوية لـ“العلاقات الاقتصادية والأمنية والدبلوماسية” للحكومة البريطانية مع الإمارات على منع التجويع المتعمد والقتل الإبادي لعشرات الآلاف من المدنيين الذين يعيشون في الفاشر. وسيضيف أن موقع بريطانيا بصفتها “حاملة القلم”، أي الدولة القائدة، بشأن السودان في مجلس الأمن الدولي جعل دورها بالغ الأهمية.
وقال: “كانت بريطانيا أفضل أمل لنا في ذلك الوقت لوقف ما كنا نعتقد أنه سيصبح واحداً من أكبر أحداث القتل الجماعي في القرن الحادي والعشرين” وقد تم التواصل مع وزارة الخارجية والكومنولث والتنمية البريطانية للتعليق









