قال نوح، في تصريحات، إن الشعب الليبي انتخب أعضاء الهيئة وكلفهم بصياغة دستور يؤسس لدولة القانون والمؤسسات ما يجعل مشروع دستور 2017 “أبرز إنجاز وطني ناتج عن عملية ديمقراطية شرعية، ويمثل العقد الاجتماعي الدائم للدولة”.
وتأتي تصريحات نوح في ظل تعدد المبادرات الدولية الرامية إلى حل الأزمة الليبية، وآخرها مسار “الحوار المهيكل” الذي ترعاه البعثة الأممية ويقترح مرحلة انتقالية لا تتجاوز 24 شهرا تمهيدا للانتخابات، إضافة إلى المبادرة الأميركية المعروفة بـ”مبادرة بولس”، التي تدعو إلى توحيد السلطات القائمة شرقا وغربا وصولا إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية، من دون تحديد سقف زمني واضح والاكتفاء بالقول أن هذا الاستحقاق سيتم في أقرب وقت ممكن.
وأضاف نوح أن الهيئة خاطبت البعثة الأممية والاتحاد الأوروبي وعددا من الفاعلين الدوليين للتأكيد على ضرورة احترام الإرادة الشعبية عبر تمكين الليبيين من التصويت على مشروع الدستور مشددا على أن “الحلول المستدامة لا تُفرض من الخارج، بل تنبع من إرادة الشعوب نفسها مؤكدا أن “إغراق المشهد السياسي بالمبادرات المتعددة يطيل أمد المرحلة الانتقالية بدلا من إنهائها، لأن كل مبادرة جديدة تعيد النقاش إلى نقطة البداية دستور لم يرَ النور”.
وشكل انتخاب الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور عام 2013 إحدى أبرز محطات بناء الدولة الليبية الجديدة، حيث أوكل إليها إعداد دستور دائم للبلاد.
وبعد سنوات من النقاشات والحوار أقرت الهيئة مشروع الدستور عام 2017 إلا أن الوثيقة لم تُعرض حتى اليوم على الاستفتاء الشعبي، لتتحول إلى أحد أكثر الملفات تعقيدا وإثارة للجدل في المشهد الليبي.
وخلال تلك الفترة، خضع الإعلان الدستوري المؤقت الصادر عام 2011 لثلاثة عشر تعديلاً حتى عام 2023، دون أن تنجح البلاد في إنهاء المرحلة الانتقالية أو إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.
ورغم تعدد المبادرات المحلية والدولية، بقيت ليبيا رهينة ترتيبات انتقالية متعاقبة في ظل تعثر التوافق على إطار دستوري مستقر ينهي الانقسام السياسي والمؤسسي.
ويرى نوح أن استبعاد مشروع دستور 2017 وكذلك تجاهل دستور الاستقلال لعام 1951، يعود بالأساس إلى اعتبارات سياسية أكثر من كونه خلافا قانونيا.
وأوضح أن اعتماد مشروع الدستور يعني الانتقال من الشرعية الانتقالية إلى الشرعية الدائمة، وهو ما يفسر – بحسب رأيه – عدم حماسة بعض الأطراف المستفيدة من الوضع الراهن للوصول إلى قاعدة دستورية نهائية عبر الاستفتاء الشعبي.
ويرى خبراء قانونيين ودستوريين أن الأزمة تجاوزت منذ سنوات حدود الخلافات الفنية والقانونية وأصبحت انعكاساً لصراع أعمق يتعلق بشكل الدولة المقبلة وطبيعة نظام الحكم وآليات توزيع السلطة.
التعديلات الدستورية
ترى أستاذة القانون بجامعة بنغازي وعضو اللجنة الاستشارية للمسار الدستوري والقانوني، الدكتورة جازية شعيتير، أن التعديلات الدستورية القائمة لم تعد قادرة على مواكبة التحولات التي شهدتها ليبيا خلال السنوات الأخيرة.
وقالت إن اللجنة الاستشارية، وبعد مراجعة القوانين الانتخابية والتعديل الدستوري الثالث عشر، خلصت إلى أن هذه النصوص ارتبطت بمرحلة سياسية مختلفة، بينما شهدت ليبيا تطورات جوهرية تستوجب مقاربة جديدة.
وأوضحت أن من أبرز الملفات المطروحة حاليا العلاقة بين الانتخابات الرئاسية والبرلمانية وقضايا التمثيل السياسي، مشيرة إلى أن النقاشات التي جرت ضمن لجنة العشرين والحوار المهيكل تناولت مقترحات جديدة، من بينها رفع الحد الأدنى لتمثيل المرأة إلى 35 بالمئة، إلى جانب ترتيبات أخرى تجعل التعديل الثالث عشر غير كافٍ للاستجابة لمتطلبات المرحلة الراهنة.
إعلان دستوري مؤقت
من جانبه، يرى مدير مكتب دعم السياسات البرلمانية والبحوث بديوان مجلس النواب، عبد الواحد اللافي، أن جوهر الإشكالية يكمن في طبيعة الإعلان الدستوري نفسه.
وقال إن الإعلان الدستوري الصادر عام 2011 لم يُصمم ليكون إطاراً دائماً للحكم، بل وُضع كترتيب مؤقت لإدارة مرحلة انتقالية قصيرة أعقبت سقوط النظام السابق.
وأضاف أن واضعي الإعلان لم يتوقعوا أن تمتد المرحلة الانتقالية إلى 15 عاما، في ظل وجود حكومتين متنافستين، وانقسام المؤسسات، وتعدد الأجسام السيادية، واستمرار انتشار السلاح.
وأوضح أن التعديل الدستوري الثالث عشر أتاح للجنة “6+6” إعداد القوانين الانتخابية، لكنه لم ينجح في حسم القضايا الخلافية الجوهرية المتعلقة بشروط الترشح للانتخابات الرئاسية، لا سيما ما يتعلق بالعسكريين ومزدوجي الجنسية، فضلا عن الخلاف حول السلطة التنفيذية المشرفة على العملية الانتخابية.
ويرى اللافي أن محاولة معالجة واقع سياسي معقد بأدوات قانونية صممت لمرحلة انتقالية محدودة زمنيا أسهمت في إطالة الأزمة بدلا من حلها.
لماذا تعثر الاستفتاء؟
ورغم انتهاء الهيئة التأسيسية من أعمالها منذ سنوات، فإن مشروع الدستور لم يصل إلى محطة الاستفتاء الشعبي الذي كان يُفترض أن يمثل نقطة التحول نحو الشرعية الدائمة.
وتعزو جازية شعيتير ذلك إلى أسباب سياسية بالدرجة الأولى، معتبرة أن القوى السياسية لم تنجح في بناء توافق مجتمعي واسع حول وثيقة دستورية جامعة.
وأضافت أن المشهد الليبي شهد تغيرات كبيرة منذ إعداد المشروع، وأن قضايا مثل الفيدرالية والتمثيل السياسي لذوي الإعاقة أصبحت جزءاً من النقاش الوطني الراهن، ما قد يستدعي التوافق أولاً على ميثاق وطني جامع يحدد أسس المرحلة المقبلة قبل الذهاب إلى الاستفتاء.
أما اللافي فيرى أن المسار الطبيعي كان يقتضي عرض المشروع على الاستفتاء فور انتهاء الهيئة من أعمالها، إلا أن ذلك اصطدم بعراقيل قانونية وسياسية متتالية، بدأت بالطعون القضائية، مرورا بالخلافات حول قوانين الاستفتاء وصلاحيات مجلس النواب، وانتهاء بتغير موازين القوى السياسية منذ عام 2017 وأكد أن تعطيل الاستفتاء كان سياسياً أكثر منه قانونيا.
أزمة إرادة سياسية
في المقابل، يرفض أستاذ القانون الدستوري الدكتور الهادي بوحمرة تحميل النص الدستوري مسؤولية التعثر المستمر.
وقال إن الهيئة التأسيسية أنجزت مهمتها وفق الإجراءات القانونية وأحالت المشروع إلى الجهات المختصة، معتبرا أن تعطيل الاستفتاء جاء نتيجة تعارض المشروع مع مصالح قوى سياسية ومسلحة داخلية، إلى جانب أطراف خارجية تستفيد من استمرار الوضع القائم.
وأضاف أن الجدل المثار حول بعض مواد المشروع استُخدم ذريعة لتأجيل الاستفتاء، بينما يتمثل السبب الحقيقي – بحسب رأيه – في أن اعتماد الدستور يعني الانتقال من الشرعيات المؤقتة إلى شرعية دستورية دائمة لا تخدم مصالح أطراف راكمت نفوذها خلال سنوات المرحلة الانتقالية.
هل تجاوز الزمن مشروع الدستور؟
وينقسم الخبراء بشأن مدى صلاحية مشروع الدستور بعد مرور نحو عقد على إنجازه.
فبينما ترى جازية شعيتير وعبد الواحد اللافي أن التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدتها ليبيا تستوجب مراجعات تضمن توافق المشروع مع الواقع الحالي، يرفض الهادي بوحمرة هذا الطرح، مؤكدا أن الدساتير تُصاغ لعقود طويلة ولا ترتبط بظروف زمنية محددة.
ويشير إلى أن مرور السنوات لا ينتقص من القيمة القانونية أو السياسية للمشروع، وأن إقراره عبر الاستفتاء لا يعني تجميدها نهائياً، إذ يمكن تعديله لاحقاً وفق الآليات الدستورية المعمول بها في الأنظمة الديمقراطية.
دستور 1951.. هل يمثل مخرجا للأزمة؟
ومع استمرار تعثر المسار الدستوري، عاد الحديث مجددا عن دستور الاستقلال الصادر عام 1951 باعتباره أحد الخيارات المطروحة للخروج من الأزمة.
ويقول نوح إن أنصار دستور 1951 ينظرون إليه باعتباره آخر دستور شرعي تأسست عليه الدولة الليبية قبل الانقلابات والصراعات اللاحقة، ويرون أن العودة إليه – ولو بصورة مؤقتة – قد توفر مرجعية دستورية جاهزة.
في المقابل، يعتبر معارضوه أنه لم يعد ملائما للتحولات التي شهدتها البلاد، سواء من حيث شكل الدولة أو توزيع السلطات أو طبيعة النظام السياسي المعاصر.
وترى جازية شعيتير أن دستور 1951 يمثل مرجعية تاريخية مهمة في الذاكرة الوطنية الليبية، لكنه يحتاج إلى مراجعات واسعة، خاصة في الجوانب الحقوقية والمؤسسية.
أما اللافي فيؤكد أن الدستور يحمل قيمة رمزية وتاريخية كبيرة لكنه أُلغي لاحقا بوثائق دستورية أخرى كما أن نصوصه لا تعالج كثيرا من الإشكالات المعاصرة، وفي مقدمتها قضايا مزدوجي الجنسية والعسكريين وطبيعة السلطة السياسية المطلوبة في ليبيا اليوم.
في المقابل، يرى بوحمرة أن الليبيين حسموا هذه المسألة عندما انتخبوا هيئة تأسيسية لصياغة دستور جديد، معتبراً أن القوى الرافضة لإنهاء المرحلة الانتقالية ستجد مبررات لتعطيل أي مسار دستوري، مهما كانت مرجعيته أو طبيعته.
محطات دستورية
منذ عام 2011 تنقلت ليبيا بين إعلانات دستورية واتفاقات سياسية ومسارات حوار متعددة. وكان المجلس الوطني الانتقالي قد أصدر الإعلان الدستوري المؤقت في أغسطس 2011 لإدارة المرحلة الانتقالية.
وتضمن الإعلان 37 مادة نظمت مبادئ الدولة والحقوق والحريات العامة والسلطات واستقلال القضاء وآليات الانتقال الديمقراطي، قبل أن يخضع لسلسلة طويلة من التعديلات.
ومع انتخاب الهيئة التأسيسية عام 2013، بدا أن ليبيا تقترب من تأسيس شرعية دائمة غير أن مشروع الدستور بقي خارج دائرة التنفيذ ولم يصل إلى محطة الاستفتاء الشعبي.
ومع استمرار التعثر عاد الجدل بشأن البدائل الممكنة للخروج من المأزق الدستوري وفي مقدمتها الدعوات للعودة إلى دستور الاستقلال لعام 1951.
نوح: مشروع دستور 2017 أبرز إنجاز وطني وشرط لإنهاء المرحلة الانتقالية في ليبيا









