تزامنت حادثة أثارت غضبا كبيرا في الشارع البريطاني، مع بروز مؤشرات قوية على استغلال تنظيم قديم للحرب الحالية لإعادة سياسة نشر ثقافة العنف في أوساط طلاب المدارس.
وتزايدت المخاوف أكثر بعد زيارات قام بها المصباح طلحة، قائد كتيبة البراء المتهمة بارتكاب جرائم عنف كبيرة، لعدد من المدارس، خاطب خلالها الطلاب بشعارات تدعو إلى إعلاء ثقافة القتال.
كما ظهر طلحة في مقطع فيديو وهو يكرم طالبة متفوقة بمنحها شعار الكتيبة المتهمة بارتكاب جرائم عنف، من بينها عمليات قطع رؤوس وبقر بطون.
وتأتي هذه المخاوف وسط انتقادات حادة للمناهج التعليمية الحالية التي تغذي ثقافة العنف، وهو ما دفع تحالفا، “تأسيس”، الذي يقيم سلطة تنفيذية في مناطق سيطرته بغرب البلاد، إلى إعلان عزمه على تغيير المناهج وإعادة تكييفها لإبعاد التعليم عن الأدلجة والعنف.
زيارات مريبة
خلال زياراته المتكررة للمدارس، يحرص قائد كتيبة البراء على رفع شعارات تبث الحماس القتالي في أوساط الطلاب، وهو أسلوب درج تنظيم قديم على انتهاجه خلال فترة التسعينيات التي شهدت الزج بآلاف الطلاب في الحرب التي انتهت عام 2011 بانفصال جنوب السودان.
ووفقًا للباحث السياسي الأمين بلال، فإن دمج خطاب الحرب والعنف في التعليم قاد إلى صناعة جيل متسامح مع العنف.
ويقول بلال: “الجيل الذي وُلد في التسعينيات نشأ في فترة تم فيها دمج خطاب الجهاد والاستشهاد في المناهج والأنشطة المدرسية بشكل مباشر”.
وفي معرض تعليقه على زيارات قائد كتيبة البراء المتكررة للمدارس، يقول بلال: “إن زيارات شخصيات عسكرية بلباس الميدان إلى المدارس، والحديث أمام الطلاب عن القتال كقيمة عليا، أمر يؤدي إلى تطبيع صورة السلاح بين الأطفال”. ويضيف: “يفترض أن تكون المدرسة فضاء محايدا لحماية الطفل، لا ساحة للتجنيد أو التعبئة”.
نهج مستمر
أججت تصريحات صدرت من وزيرين خلال الأسابيع الماضية المخاوف من استمرار سياسة تحويل المؤسسات التعليمية إلى بيئة حاضنة لثقافة العنف والحرب.
وفي أبريل الماضي، أعلن وزير التربية بولاية الجزيرة، أنه سيستعين بعناصر من كتائب البراء وقوات درع السودان للعمل في التدريس بمدارس الولاية.
وتخضع المجموعتان لعقوبات أميركية ودولية بسبب اتهامات بارتكاب انتهاكات وعمليات إرهابية كبيرة بحق المدنيين.
وأعقبت تصريحات الوزير الولائي تصريحات أخرى لوزير التعليم العالي، كشف فيها عن مشاركة ثلاثة آلاف من طلاب الجامعات في القتال خلال الحرب الحالية.
ويشير الخبير التربوي حسن عبدالرضي إلى خطورة نشر ثقافة العنف في المدارس ومؤسسات التعليم.
ويوضح عبدالرضي: “إن الزج بمجموعات مسلحة في فصول التعليم ينذر بتحويل المدارس إلى ساحات نفوذ أمني، ويقوض ما تبقى من مدنية العملية التعليمية، كما يهدد بنشر ثقافة العنف بين الطلاب”.
ويحذر الخبير التربوي من أن مثل هذه التحركات والسياسات ستؤدي إلى مزيد من انهيار النظام التعليمي وغرس ثقافة العنف.
شبكات تأثير واسعة
سعى التنظيم خلال العقود الماضية إلى التأثير في المجتمع عبر شبكة فكرية وتنظيمية معقدة نشرها في المدارس والجامعات والأندية الاجتماعية.
ومنذ سيطرته على السلطة، ركز على اختراق المدارس والجامعات، وعمل على الهيمنة على إدارات المؤسسات التعليمية، وحوّلها إلى منصات لتجنيد الكوادر، كما أحكمت الجماعة قبضتها على المناهج الدراسية.
ووفقا للباحثة الاجتماعية أسماء محمد، فقد سيطرت عقيدة التنظيم على مفاصل الدولة في السودان، بما فيها المؤسسات التعليمية، مما أدى إلى خلق نظام قائم على أيديولوجيا تغرس ثقافة العنف وكراهية الآخر.
وتوضح: “إن التنظيم لم يكن تنظيما دينيا سياسيا طبيعيا، ورغم أنه ظل محدود الانتشار، فإنه تمكن من التغلغل المؤسسي وتبنى خطابا أيديولوجيا يدعو إلى العنف”.
علاقة محتملة
قالت صحيفة بريطانية إن الشاب المعتدي على الرجل البريطاني عمل في الشرطة السودانية في العام 2022 قبل سفره إلى بريطانيا بعد اندلاع الحرب في منتصف أبريل 2023.
وفي أعقاب انقلاب عام 2021، عمل التنظيم على إعادة تمكين عناصره في الأجهزة الأمنية وهي ذات الفترة التي التحق فيها الشاب المتهم باعتداء بلفاس بالشرطة.
ومنذ أكثر من عامين تتزايد التكهنات بوجود علاقة محتملة بين الكتائب المسلحة المتحالفة مع الجيش ومجموعات شبابية تعيش في بريطانيا وتشارك في عمليات عنف هناك.
وفي نوفمبر 2024، ظهر المصباح طلحة، في مقطع فيديو نشره على صفحته في فيسبوك، وهو يتحدث من الخرطوم ويؤكد دعمه وتشجيعه لمجموعة اعتدت على رئيس الوزراء السوداني السابق ورئيس تنسيقية القوى المدنية “تقدم”، وعدد من السودانيين، خلال ندوة أقيمت في لندن.
وتحدث طلحة عبر الفيديو مع مجموعة من المعتدين في لندن، قائلا “كل على جبله رامٍ”، وكتب على المقطع “براؤون في أي حته”، أي مكان.
ورأى مراقبون أن مقطع الفيديو حمل رسالة دعم واضحة للمجموعة المعتدية، واظهر مدى تطرف عناصر الكتيبة وانتشارها.
وفي الواقع، ظهر أفراد لهذه الكتيبة في عدد من الدول الأوروبية والعربية يرددون أناشيدهم ويتبنون موقفا متطرفا من المعارضين لهم.
ونشر ناشطون في مواقع التواصل الاجتماعي، صورا لأشخاص ظهروا ضمن المعتدين، الذين كان يخاطبهم طلحة، وقالوا إن من بينهم مدرب سباحة كان يقضي فترة عقوبة بأحد سجون الخرطوم بعد إدانته باغتصاب طفلين، ويعتقد أنه وصل إلى لندن بعد خروجه من السجن الذي فتحته مجموعة مسلحة وأخرجت منه عددا من المحكومين والمنتظرين.
ورأى الخبير القانوني إسماعيل مضوي، أن تسجيل ونشر مقاطع الهجوم من قبل قائد “كتيبة البراء”، واحتفاءه بما حدث عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يوضح نية التأثير والترويع ونشر وتشجيع التطرف واستخدام العنف لتحقيق أهداف سياسية أو دينية أو أيديولوجية بطرق تهدف لإثارة الرعب.
تزايد المخاوف من استغلال تنظيم قديم للحرب لتفسikh ثقافة العنف في مدارس السودان.









