يعكس هذا الحراك حجم التعقيد الذي يحيط بالملف حيث تتداخل اعتبارات الأمن القومي مع الالتزامات الإنسانية والضغوط الاقتصادية والاجتماعية في بلد لا يزال يعاني الانقسام السياسي وضعف السيطرة الكاملة على حدوده الجنوبية.
ويعكس الجدل المتصاعد حول الهجرة في ليبيا معضلة مركبة تجمع بين ضرورات الأمن القومي ومتطلبات القانون الدولي فبينما ترفض قطاعات واسعة من الليبيين أي مشاريع أو ترتيبات قد تفضي إلى توطين المهاجرين تؤكد الأصوات الحقوقية والإنسانية أهمية حماية حقوق المهاجرين وضمان معاملتهم وفق المعايير الدولية.
وبين هذين الاعتبارين تبقى ليبيا أمام تحدي إيجاد مقاربة متوازنة تضمن ضبط الحدود ومكافحة شبكات التهريب وتنظيم الوجود الأجنبي دون التفريط في الالتزامات الإنسانية أو السماح بتحويل البلاد إلى وجهة استقرار دائمة للهجرة غير النظامية.
وفي ظل استمرار الانقسام السياسي وتعقيدات المشهد الإقليمي يبدو أن ملف الهجرة سيظل أحد أكثر الملفات حساسية وتأثيرا في مستقبل الاستقرار الليبي خلال المرحلة المقبلة.
ضبط الوجود الأجنبي
يؤكد رئيس جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية الليبي، اللواء صلاح الخفيفي، أن ليبيا حافظت تاريخيا على نهج إنساني في التعامل مع الوافدين خاصة القادمين من دول الجوار التي تشهد أزمات وصراعات مثل السودان وتشاد.
وأوضح أن الدولة الليبية رحبت بالوافدين لكنها تشترط أن يتم وجودهم وفق الأطر القانونية المنظمة بما يشمل إثبات الهوية والجنسية والحصول على الوثائق اللازمة للعمل والإقامة.
وأشار إلى أن تفاقم ظاهرة الهجرة غير الشرعية بات يمثل تهديدا مباشرا للأمن القومي الليبي والأمن العربي ما استدعى تشديد الإجراءات الأمنية والتنظيمية للحد من الظاهرة وضبطها مؤكدا في الوقت نفسه استمرار تقديم الرعاية الإنسانية للمهاجرين الموجودين داخل مراكز الإيواء.
الهجرة والأمن القومي
من جهته، يرى اللواء صالح رجب المسماري وزير الداخلية الليبي الأسبق ورئيس المجلس الأعلى لقبائل الأشراف والمرابطين أن الهجرة غير الشرعية تحولت إلى قضية أمن قومي معقدة تتجاوز أبعادها الإنسانية التقليدية.
وقال إن بعض القوى الدولية تحاول استغلال هشاشة الأوضاع في ليبيا لتحويلها من دولة عبور إلى منطقة استقرار للمهاجرين مشيرا إلى أن الأجهزة الأمنية في شرق البلاد وغربها تنفذ عمليات مستمرة لتنظيم الوجود الأجنبي وفرز المقيمين بين من يحملون أوضاعا قانونية ومن لا يملكون وثائق رسمية.
وحذر من أن استمرار تدفق المهاجرين بأعداد كبيرة قد يؤدي إلى ضغوط متزايدة على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي داعيا إلى تشديد الرقابة على الحدود ومنع أي وجود خارج الأطر القانونية.
كما أكد أن ليبيا ليست ضد المهاجرين أو العمالة الأجنبية المنظمة لكنها ترفض أن تتحول إلى موطن دائم للهجرة غير النظامية.
السياسات الأوروبية
في المقابل ترى نائب مدير مركز دراسات وأبحاث الهجرة غير الشرعية حنين أبو شوشة أن الأزمة الحالية تكشف قصورا في السياسات الأوروبية التي ركزت خلال السنوات الماضية على منع وصول المهاجرين إلى أوروبا أكثر من تركيزها على معالجة أسباب الظاهرة.
وأوضحت أن نقل إدارة الأزمة إلى دول العبور أفرز نتائج إنسانية وأمنية مقلقة من بينها ارتفاع الوفيات على مسارات الهجرة وتوسع نشاط شبكات التهريب والاتجار بالبشر.
وأكدت أن المقاربة الأمنية وحدها لا تكفي لمعالجة الملف مشددة على أن ليبيا لا ينبغي أن تتحول إلى منطقة احتواء أو انتظار دائمة للمهاجرين.
وأضافت أن رفض التوطين لا يتعارض مع احترام حقوق الإنسان بل يمثل موقفا سياديا مشروعا يمكن التوفيق بينه وبين الالتزام بالمعايير الإنسانية والقانونية.
أرقام ومخاوف ديموغرافية
بدورها قالت المستشارة مبروكة بالتمر رئيسة مفوضية المجتمع المدني في ليبيا إن الشعب الليبي يرفض التوطين، معتبرة أن هذا الموقف يجب احترامه في أي نقاش يتعلق بمستقبل الملف.
وأشارت إلى أن تقديرات المنظمة الدولية للهجرة تتحدث عن وجود نحو 940 ألف مهاجر داخل ليبيا، وهو رقم يكتسب أهمية خاصة عند مقارنته بعدد سكان البلاد البالغ نحو سبعة ملايين نسمة.
وترى بالتمر أن ملف الهجرة أصبح قضية وطنية ترتبط بالأمن القومي والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، مؤكدة أن المخاوف المرتبطة بالتغيرات الديموغرافية تحتاج إلى نقاش مسؤول بعيدا عن خطاب الكراهية أو التمييز.
كما دعت إلى تعزيز الرقابة على الحدود وتكثيف الجهود لمكافحة شبكات تهريب البشر مع ضرورة احترام الالتزامات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان.
وأكدت أن المجتمع الدولي مطالب بتحمل مسؤوليات أكبر في مواجهة الأزمة عبر دعم ليبيا والمساهمة في معالجة الأسباب التي تدفع المهاجرين إلى مغادرة بلدانهم.
تحذيرات حقوقية
وفي المقابل أدان رئيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان في ليبيا الدكتور عبد المنعم الحر إغلاق مقر المفوضية السامية لشؤون اللاجئين والاحتجاجات التي طالت محيط بعثة الأمم المتحدة في طرابلس.
وأكد أن هذه التطورات قد تؤثر سلبا على أوضاع المهاجرين وطالبي اللجوء وعلى عمل المنظمات الإنسانية محذرا من تداعياتها على برامج التسجيل والمساعدات والإجلاء الخاصة بالحالات الأكثر هشاشة.
وشدد على أن الحق في التظاهر السلمي مكفول لكنه لا يبرر الاعتداء على المقار الدولية أو تعطيل عمل المؤسسات الإنسانية داعيا السلطات الليبية إلى توفير الحماية اللازمة للبعثات والمنظمات الدولية وفتح تحقيقات شفافة في الأحداث الأخيرة.
الجدل حول الهجرة في ليبيا يبرز معضلة الأمن القومي والحقوق الإنسانية









