استقبل رئيس الدولة السودانية، السيد عبد الفتاح البرهان، استقبالاً رسمياً في المجمع الرئاسي، وذلك في زيارة دبلوماسية تحمل دلالات سياسية مهمة. واعتبرت جهود السودان لتحويل المكاسب الميدانية الأخيرة إلى زخم دبلوماسي، مؤكدةً استمرار فعالية الحكومة السودانية على الصعيد الدولي رغم الصراع المستمر.
تُمثل الشراكة المتجددة بين السودان وتركيا تحولاً ملحوظاً عن السياسات الم followed بعد ثورة 2019. ففي تلك الحقبة، نأت الإدارة الانتقالية المدنية عن أنقرة، ولمحبة توثيق العلاقات مع القوى الغربية وإسرائيل وشركاء إقليميين رئيسيين، وتم تجميد العديد من الاتفاقيات التي أبرمت سابقاً، مما أدى إلى تراجع التعاون الثنائي.
غير أن اندلاع الحرب الأهلية غير هذه الحسابات بشكل جذري. ففي مواجهة التحديات الأمنية المتزايدة والبيئة الإقليمية المتشابكة، تبنّت القيادة السودانية نهجاً أكثر واقعية في السياسة الخارجية، وبرزت تركيا مجدداً كأحد أهم الشركاء الاستراتيجيين للخرطوم.
تشير الزيارات الأخيرة التي قام بها رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس إلى أنقرة، والتي تلتها زيارة مماثلة قام بها الرئيس السوداني محمد البرهان، إلى أن العلاقات قد تجاوزت مرحلة إدارة الأزمات، وتتجه نحو شراكة طويلة الأمد أوسع نطاقاً، تركز على الأمن وإعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي.
يأتي هذا التقارب الدبلوماسي في وقتٍ حسّمت فيه القوات المسلحة السودانية من وضعها الميداني، حيث استعادت السيطرة على مناطق رئيسية في الخرطوم وولاية الجزيرة، وأعادت بناء الهياكل الإدارية في المناطق التي استعادتها من قوات الدعم السريع.
ويرى مؤيدو الحكومة أن هذه التطورات قد عززت مكانة الخرطوم الدولية، ومنحت القيادة ثقة أكبر لمتابعة مبادرات دبلوماسية جديدة.
في المقابل، واجهت قوات الدعم السريع صعوبة في تحقيق مكاسب استراتيجية حاسمة، على الرغم من تلقيها دعماً خارجياً كبيراً. ويشير المحللون إلى أن الصراع في السودان بات يُشبه بشكل متزايد مواجهة إقليمية بالوكالة، تشمل جهات أجنبية متعددة وجماعات غير حكومية.
وتجدر الإشارة إلى أن تنامي دور تركيا في أفريقيا هو أحد أهم العوامل الدافعة وراء التقارب بين أنقرة والخرطوم. ففي السنوات الأخيرة، تجاوزت أنقرة حدود التعاون الاقتصادي التقليدي، وبرزت كمُقدّم رئيسي للمساعدات الأمنية والتدريب العسكري والتعاون الدفاعي.
وقد أصبح ما يُعرف بـ”النموذج الصومالي”، الذي يجمع بين الدعم العسكري وبناء القدرات المؤسسية والتعاون في الصناعات الدفاعية، أحد أبرز أدوات السياسة الخارجية التركية في القارة، وقد أعربت العديد من الدول الأفريقية التي تواجه تحديات أمنية عن رغبتها في تبنّي أطر مماثلة.
أما بالنسبة للسودان، الذي سيواجه في نهاية المطاف مهمة جسيمة تتمثل في إعادة بناء مؤسسات الدولة وإعادة هيكلة قطاعه الأمني بعد سنوات من الحرب، فإن التعاون مع تركيا يُمثّل خيارًا جذابًا، ومن المحتمل أن يُصبح التعاون الدفاعي والتدريب العسكري ونقل التكنولوجيا عناصر مهمة في العلاقات الثنائية خلال السنوات القادمة.
وحملت زيارة البرهان رسائل هامة إلى مختلف الجهات. فداخلياً، كان الهدف منها طمأنة المواطنين السودانيين بأن الدولة لا تزال فاعلة وقادرة على ممارسة الدبلوماسية رغم الصراع، كما عزز الاستقبال رفيع المستوى في أنقرة ادعاء الحكومة بالشرعية والاعتراف الدولي.
إقليمياً، أشارت الزيارة إلى عزم السودان على تنويع شراكاته الخارجية وتجنب الاعتماد على أي كتلة أو تحالف منفرد، حيث يُعدّ تعزيز العلاقات مع تركيا جزءاً من جهد أوسع لتوسيع الخيارات الدبلوماسية وتقليل العزلة الإقليمية.
وأبرزت الزيارة رؤية الخرطوم لمرحلة ما بعد الحرب، حيث تتطلب إعادة إعمار السودان استثمارات ضخمة وتطويراً للبنية التحتية ودعماً مؤسسياً، وتتمتع تركيا بموقعٍ مؤهل لها لعب دور هام في هذه العملية.
وتتجاوز أهمية زيارة البرهان إلى أنقرة الاعتبارات العسكرية والسياسية المباشرة، فهي تعكس مسعى السودان لإعادة تموضعه دولياً، لا كدولةٍ غارقةٍ في الصراع فحسب، بل كدولةٍ تستعد لإعادة الإعمار وإقامة شراكات طويلة الأمد.








