Home / سياسة / إعادة هندسة جهود السلام في السودان من المنافسة إلى الاندماج

إعادة هندسة جهود السلام في السودان من المنافسة إلى الاندماج

إعادة هندسة جهود السلام في السودان من المنافسة إلى الاندماج

كتب الدكتور فرانسيس دينغ، الدبلوماسي الدولي ومستشار الأمم المتحدة وخبير في حقوق الإنسان، مقالاً بعنوان ” من المنافسة إلى الاندماج: إعادة هندسة جهود السلام في السودان“. يقول إنه منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، شهدت الأزمة السودانية انتشارًا وتداخلًا غير مسبوقين للمبادرات الإقليمية والدولية الرامية إلى وقف القتال وإطلاق عملية سياسية شاملة.

ورغم كثافة هذه الجهود وتنوع الجهات الفاعلة المشاركة – من منصتي جدة والمنامة إلى الحوار الرباعي الدولي والحوار الخماسي وجهود منظمة الوساطة الفرنسية – فإن هذا التعدد لم يُترجم إلى أي اختراق حقيقي في عملية السلام. بل على العكس، ساهم في زيادة تعقيد المشهد بتعزيز بيئة من التنافس والتشرذم المؤسسي، مما قوّض فرص التوصل إلى موقف دولي موحد.

أدى هذا الواقع إلى ظهور عدة ديناميكيات معقدة، أبرزها “اختيار المنتديات” من قبل أطراف النزاع، والتشرذم بين الفاعلين المدنيين والسياسيين، وتضاؤل السياسات، وتكرار الخطابات التي تُصاغ وفقًا لنهج “القاسم المشترك الأدنى” دون تحقيق نتائج ملموسة. في هذا السياق، لم تعد المشكلة الأساسية تكمن في غياب المبادرات، بل في غياب التنسيق الفعال بينها، فضلًا عن غياب إطار شامل قادر على ضمان تكامل الأدوار وتوجيه الجهود نحو أهداف واضحة ومشتركة. وبناءً على ذلك، ثمة حاجة ملحة لإعادة النظر في كيفية إدارة هذا التعدد، وتحويله من مصدر للشلل إلى محرك للتلاحم يُعزز فرص التوصل إلى تسوية سياسية مستدامة.

كز الوسطاء الخارجيون جهودهم على معالجة الأزمة الإنسانية المرتبطة بالحرب، تاركين، بشكل مفهوم، الحل السياسي للنزاع للشعب السوداني ويتطلب السلام المستدام معالجة الأسباب الجذرية المتجذرة تاريخيًا والتي دفعت البلاد إلى خوض حروب متتالية منذ الاستقلال. وقد أسفرت هذه الصراعات عن فترات متناوبة من الديمقراطية المدنية والديكتاتوريات العسكرية، مما قوّض الحكم الديمقراطي. ولذا، يتمثل التحدي الذي يواجه السودانيين في الاتفاق على إطار عمل يضمن السلام والأمن والاستقرار، مع ضمان الشمولية والمساواة والكرامة لجميع المواطنين.

لكي تحقق المبادرات الخارجية نتائج ملموسة في السودان، يجب أن تستند إلى نهج منسق يجمع الجهود الثنائية والإقليمية والمتعددة الأطراف والدولية لدعم مفاوضات وقف إطلاق النار وعملية سياسية شاملة. ويمكن لمبادرات مثل الحوار الرباعي (كواد) والحوار الخماسي (كوينتيت) والوساطة (بروميديشن) وغيرها من المنصات المتعددة الأطراف أن تعمل بفعالية بالتوازي، ولكن فقط في حال وجود تكامل واضح وحقيقي للأدوار. يعتمد تحقيق انفراجة على تنظيم هذه الجهود ضمن إطار استراتيجي مشترك، بما في ذلك فهم مشترك لمسألة إشراك الأطراف السودانية في النزاع وكيفية القيام بذلك. كما يمكن للتنسيق الفعال أن يساعد في بناء الثقة بين الوسطاء، وبالتالي تعزيز مصداقيتهم لدى أطراف النزاع.

أولاً: إنشاء بعثة سياسية فعّالة بتفويض من الأمم المتحدة
في ضوء التصعيد المستمر وتزايد تعقل الأزمة، ثمة حاجة ملحة لإنشاء بعثة سياسية فعّالة بتفويض من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. ستكون هذه البعثة في وضع أفضل لتجاوز قصور المبادرات المتفرقة وتوفير إطار دولي موحد وفعّال.
ينبغي اعتبار وقف إطلاق النار نقطة انطلاق أساسية لعملية سياسية أوسع نطاقاً تعالج الأسباب الجذرية للنزاع وترسي دعائم انتقال موثوق إلى سلام دائم. وبناءً على ذلك، ينبغي أن يتجاوز تفويض البعثة الوساطة السياسية ليشمل الإشراف والتنسيق على الاستجابة الإنسانية الشاملة، وضمان وصول المساعدات دون عوائق أو تسييس، فضلاً عن تعزيز حماية المدنيين.

إضافةً إلى ذلك، يمكن للبعثة أن تضطلع بدور محوري في تنسيق الجهود الإقليمية والدولية والحد من الازدواجية من خلال إنشاء آلية تنسيق تجمع الجهات الفاعلة الرئيسية تحت رؤية مشتركة لسلام شامل وعادل ودائم. وهذا من شأنه أن يساعد في مواءمة التدخلات حول الأولويات المتفق عليها، ويعزز احتمالية تحقيق اختراق حقيقي في عملية السلام.

ثانيًا: تنسيق الجهود وتكامل الأدوار
في ظل تزايد المبادرات، أصبح التنسيق وتكامل الأدوار شرطين أساسيين لتحقيق أثر ملموس. وفي هذا الصدد، يتمتع الاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيغاد) بموقع متميز لتيسير حوار مدني سوداني شامل يهدف إلى إعادة بناء الثقة بين الفاعلين المدنيين والسياسيين، والحد من التشرذم الذي أضعف نفوذهم الجماعي. ويتطلب هذا تحولًا من مجرد إدارة الانقسامات إلى بناء منصات تنسيق فعالة تُعطي الأولوية للمصالح الوطنية المشتركة.

على الصعيد الإقليمي، تضطلع جامعة الدول العربية بدور محوري في إعادة تنشيط العلاقات الدبلوماسية مع الجهات الفاعلة الإقليمية، لا سيما تلك المتورطة بشكل مباشر أو غير مباشر في دعم أطراف النزاع. ويمكن لهذه العلاقات أن تسهم في الحد من التدخلات الخارجية السلبية وكبح تدفق الأسلحة. وينبغي لهذا الدور أن يتجاوز الدبلوماسية التقليدية نحو تنسيق استراتيجي أوثق مع المبادرات الأفريقية والدولية، وخاصة في المجال الإنساني، لضمان فعالية تقديم المساعدات وخلوها من التسييس.

أما على الصعيد الدولي، فيمتلك الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والمملكة المتحدة نفوذاً كبيراً، لا سيما من خلال المشاركة الدبلوماسية داخل الأمم المتحدة، وتحديداً مجلس الأمن، فضلاً عن الدعم اللوجستي والفني والمالي. ومع ذلك، فإن فعالية هذه الجهود تعتمد إلى حد كبير على مدى توافقها ضمن إطار متعدد الأطراف متماسك يقلل من الازدواجية ويوجه الموارد نحو أولويات محددة بوضوح، لا سيما تلك المتعلقة بحماية المدنيين واستعادة الانتقال السلمي بقيادة مدنية.

في نهاية المطاف، لم يعد التحدي الرئيسي يكمن في تعدد الجهات الفاعلة، بل في كيفية تحويل هذا التعدد إلى ميزة استراتيجية من خلال العمل المنسق والأدوار المتكاملة. ويُعدّ الانتقال من المبادرات التنافسية إلى إطار تنسيق موحد أمرًا جوهريًا للحد من التشرذم و”اختيار المنتديات”، ولتعزيز فرص التوصل إلى تسوية سياسية مستدامة في السودان.

وركّز الوسطاء الخارجيون، الثنائيون والمتعددو الأطراف، بحق، على الجوانب الإنسانية للحرب والحاجة المُلحة للمساعدة وحماية المدنيين، مع إسناد المهمة السياسية المتمثلة في إنهاء النزاع وإرساء سلام مستدام إلى الشعب السوداني، وإن كان ذلك بدعم من الشركاء الخارجيين. ويتطلب هذا الاتفاق على إطار سلام مقبول عمومًا لدى الشعب السوداني. ويجب أن يُعطي هذا الإطار، إلى حد كبير، الأولوية لضمان وحدة البلاد على أساس الشمولية والمساواة والكرامة للجميع دون تمييز على أساس العرق أو الأصل أو الدين أو الثقافة أو الجنس. ينبغي التذكير أيضاً بأن انفصال جنوب السودان نتج عن فشل القيادة الوطنية في تهيئة الظروف اللازمة للوحدة التوافقية ضمن إطار معياري للمساواة الكاملة في المواطنة.

مع أن بإمكان عدة وسطاء المساهمة بشكل بنّاء، إلا أن هناك حاجة إلى وسيط رئيسي أو فريق وسطاء محدود لإدارة العملية بالأدوات والموارد اللازمة لتقديم حوافز مقنعة.

تُظهر التجربة السودانية بوضوح أن كثرة المبادرات، في غياب التنسيق الفعال، لا تُسرّع بالضرورة من حل النزاع؛ بل قد تُؤدي إلى عكس ذلك بتعميق الانقسامات، وبالتالي إطالة أمد الحرب. لم يعد التحدي الرئيسي هو إنشاء منصات أو مؤتمرات إضافية، بل إعادة هيكلة الجهود القائمة ضمن إطار تنسيق موحد يحدّ من التنافس ويعزز التكامل الحقيقي.

يتطلب تحقيق اختراق حقيقي في عملية السلام تحولاً من منطق المبادرات المتوازية والمتنافسة إلى منطق العمل الجماعي المنسق، حيث تتضافر أدوار الجهات الفاعلة الإقليمية والدولية وتتكامل فيما بينها، وحيث تُدمج المسارات السياسية والإنسانية ضمن رؤية استراتيجية متماسكة. ويمكن أن يُشكل تعزيز الآليات الدولية الفعالة – ولا سيما توسيع نطاق البعثة السياسية بتفويض من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة – ركيزة أساسية لإعادة تنظيم هذا المشهد المجزأ.

وفي نهاية المطاف، لن تتوقف آفاق السلام في السودان على عدد الجهات الفاعلة المشاركة، بل على قدرتها على العمل ضمن إطار مشترك يتجاوز المصالح الضيقة ويضع أولويات الشعب السوداني في صميم جميع الجهود. ويتطلب ذلك تعاوناً استراتيجياً بين الجهات السودانية والخارجية، فضلاً عن مواءمة العمل الإنساني مع الجهود الرامية إلى تحقيق سلام مستدام وشامل يعزز الأمن والاستقرار.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *