وسط سوق الأغنام الواسعة المعروفة بـ”الرحبة” في تونس، يتحرك زهير الماجري بحثا عن خروف يتناسب مع المبلغ المالي الذي خصصه هو وعائلته لشراء خروف العيد، بهدف إدخال البهجة على أفراد الأسرة.
لا تبدو مهمة إيجاد خروف العيد المبارك عملية سهلة في تونس، حيث أدى ارتفاع الأسعار بشكل كبير لتحويل توفير أضاحي العيد إلى هاجس كبير ومسؤولية محفوفة بالفشل لدى أغلب العائلات.
يغادر زهير الماجري، الذي هو أب لأسرة مكونة من 5 أفراد، “رحبة” الأغنام برفقة ابنه الذي لا يزال يتطلع إلى الخرفان ويلامس بعضها، ثم ينظر في عيني والده وهو يشير إلى كبش أقرن قدر صاحبه ثمنه بألف وستمائة دينار (نحو 560 دولارا).
لم يكن حال أغلب المشتغلين بسوق الأغنام في منطقة “المروج” جنوب العاصمة تونس مختلفا عن حال زهير، حيث أن ارتفاع أسعار الخرفان التي تتراوح بين 1400 و2300 دينار (بين 500 و800 دولار تقريبا) حرم أغلب العائلات في تونس من فرحة اقتناء خروف العيد.
ويقول أغلب المشتغلين بسوق الأغنام، أو “رحبة علوش العيد”، إنهم خرجوا من السوق كما دخلوا إليها، حيث بدا اليأس والتذمر واضحين على وجوه الكثيرين، في حين اكتفى البعض بتأجيل عملية الشراء إلى اليوم الأخير الذي يسبق عيد الأضحى، أملا في انخفاض مفاجئ للأسعار.
يرى زهير الماجري، وهو موظف ينتمي إلى الطبقة الوسطى، أن غلاء الأسعار أمر مدبر من قبل الوسطاء والمضاربين، ما يحرم المواطن من فرحة بسيطة لإحياء سنة الأضاحي.
وقال الماجري: “لابد من مراقبة الوسطاء ومكافحة المضاربة في الأسعار، الطريق الوحيدة لتخفيض أسعار خروف العيد هي الصرامة مع كل من يريد استغلال المواطن البسيط وابتزازه”.
ورغم أن وزارة الفلاحة في تونس وفرت نقاطا لبيع الخرفان بحساب وزنها، واعتماد تسعيرة مناسبة للكيلوغرام الواحد، إلا أن ذلك لم يضع حدا للأزمة، حيث استمرت ظاهرة الأسعار المرتفعة التي تجعل أغلب الناس يعجزون عن شراء أضحية العيد.
وفيما وجه كثيرون اتهامات للباعة والوسطاء بالوقوف وراء ارتفاع الأسعار بشكل غير متوقع، قال أحد باعة الأغنام إن غلاء سعر الأعلاف وراء الظاهرة، واتهم بدوره المواطن بالتأخر في اقتناء خروف العيد حتى الأيام الأخيرة التي تشهد وفق قوله ارتفاعا مفاجئا بسبب زيادة تكلفة إيوائها وعرضها للبيع.
وقال رئيس منظمة حماية المستهلك في تونس لطفي الرياحي إن أسعار الخرفان باتت هاجسا قويا لأغلب الأسر، خصوصا تلك التي تنتمي للطبقة المتوسطة، والتي تواجه نفقات عديدة وزيادات في أسعار المواد الأولية والخدمات وغيرها.
وقال الرياحي: “لتلافي أزمة عدم القدرة على شراء أضاحي العيد، تم تزويد بعض المناطق بعدد من الخرفان بأسعار مناسبة تتلاءم مع القدرة الشرائية للطبقة المتوسطة، ووفرت وزارة الزراعة عددا من الأضاحي المعروضة للبيع من المنتج مباشرة إلى المستهلك بأسعار أقل مما هي في أسواق الأغنام، غير أن العدد الذي تم توفيره لا يستطيع أن يعدل الأسعار التي عرفت نسقا تصاعديا لا يتماشى مع الكلفة الحقيقية للحوم الضأن”.
وأقر عماد وعضور، عضو الغرفة الوطنية لمربي الماشية ونقابة الفلاحين في محافظة بنزرت (شمال)، بأن أسعار الأضاحي شهدت ارتفاعا ملحوظا خلال هذا العام، لكنه يرجع ذلك إلى عوامل عديدة أبرزها الجفاف، وعدم الاهتمام بإنتاج الإناث من الأغنام، فضلا عن إهمال مصلحة الفلاحين والمنتجين طوال السنوات الخمس الماضية.
وقال وعضور: “شهدت منظومة تربية الماشية منذ سنة 2020 إخلالات كبيرة مما تسبب في تراجع عدد القطيع من الأغنام ليناهز 3 ملايين ونصف المليون رأس غنم نصفها من الإناث، وهذا ما يعني أن عدد القطيع من الذكور لا يتعدى 1.7 مليون رأس من الأغنام، وهذا ما أفرز زيادة في الأسعار التي تخضع دوما للعرض والطلب”.
وأكد عضو نقابة الفلاحين بأن سعر الخروف الواحد شهد زيادة ناهزت 200 إلى 250 دينارا هذا العام، وأرجع أسباب ذلك إلى انخفاض العرض، فضلا عن أن تلك الأسعار ليست محددة وفقا لضوابط معينة، بل هي حرة.
ويرى عماد وعضور أن السلطات كثفت من مراقبة ذبح الخرفان في محلات الشواء والمطاعم للحفاظ على القطيع وخاصة قطيع الإناث، بهدف زيادة الإنتاج وتلافي النقص المسجل خلال السنوات الأخيرة.








