في جلسة امتدت لثلاث ساعات مع وزير الدفاع السوداني في إسطنبول، تم كسر الحواجز البروتوكولية لتمكين نقاش أعمق. لم تكن الجلسة مجرد مناقشة في السياسة والأمن، بل كانت رحلة في تفكير رجل يرى المشهد من زوايا تتجاوز الخرائط والميدان.
على الرغم من أن الصورة الشائعة لوزير الدفاع هي الشخص الذي يرتدي البدلة الرسمية ويتبع الصرامة العسكرية، إلا أن هذه الجلسة أظهرت جانبًا مختلفًا. في منزل قنصل السودان بإسطنبول، شعرت أنني في قلب السودان، حيث كل زاوية تحكي عن هم السودان وتريح الطين وسهول وصحراء البلاد.
هذا المناخ المفعم بالهوية جعل الحديث لهذه الساعات الثلاث له مذاقًا مختلفًا، وكأننا نتكئ على مناخات السودان المختلفة من دارفور إلى الشرق، ومن الشمال إلى الجنوب، ونحن نناقش أقضل الملفات الأمنية والسياسية. لم يكن الوزير يتحدث بلغة الأرقام العسكرية فحسب، بل أظهر كونه مثقفًا واسع الإطلاع، يربط بين التاريخ السياسي والجغرافيا الثقافية للسودان.
كان لافتًا أن الرجل الذي يدير واحدًا من أصعب الملفات في تاريخ البلاد الحديث، يمتلك رؤية ثقافية تربط بين الأمن والوعي المجتمعي والتوافق السياسي. خلال الساعات الثلاث، تم التنقل بين الأمن والثقافة، حيث تحدث الوزير بلسان المثقف الذي يحمل هم الوطن، ولم يكن دفاعًا عن موقف، بل محاولة لاستشراف مستقبل السودان.
اكتشفت خلف الصرامة المعهودة شخصية قارئة بامتياز، تدرك أن السلاح وحده لا يبني دولة، بل الفكر والحوار والاعتراف بالتنوع الثقافي هي المدافع الحقيقية التي تحمي الأوطان. خرجت من هذه الجلسة بجعبتي الكثير مما لا تحويه التقارير الإخبارية، مؤكدًا أن إدارة الأزمات في السودان تتطلب عقولاً تجمع بين حكمة المثقف وحزم العسكري.









