Home / سياسة / إيران تستغل أزمة المضيق لضغوط جديدة على المنطقة

إيران تستغل أزمة المضيق لضغوط جديدة على المنطقة

إيران تستغل أزمة المضيق لضغوط جديدة على المنطقة

في قراءة معمقة لهذا المشهد المتشابك، تحدث إلى غرفة الأخبار على كل من الباحث في مركز الإمارات للسياسات محمد الزغول، والكاتب الصحفي محمد الحمادي، والإعلامي والكاتب الصحفي عبد اللطيف المناوي، والباحث في مركز ربدان للأمن والدفاع عدنان العبادي، وقدّموا تحليلاً متكاملاً يفكّك أبعاد الحدث ويرسم ملامح المرحلة المقبلة.

ورقة المضيق.. آخر ما تبقى في يد طهران
أجمع المحللون على أن التوقيت الذي اختارته إيران لتصعيد اعتداءاتها لم يكن عشوائيا، بل جاء في سياق مباشر لعملية فتح مضيق هرمز وإنقاذ أكثر من 20 ألف بحار علقوا في المضيق منذ فترة مطولة، في ظل شح الغذاء والدواء الذي بات يهدد حياتهم، وما يزيد على ألفي سفينة محتجزة تحولت إلى ورقة ضغط وابتزاز.

ويرى الباحث محمد الزغول أن إيران أقدمت على استهداف الإمارات في هذا التوقيت بالذات لغرض محدد: تشتيت الانتباه عن عملية فتح المضيق وافتعال جبهات جانبية تعرقلها، إذ إن المضيق هو آخر ورقة ضغط حقيقية تحتفظ بها طهران.

ويقول الزغول بوضوح: “فلتت هذه الورقة من يدها لم يعد لديها أوراق أخرى تضغط بها”، ومن ثمّ فإن الحكمة الاستراتيجية تقتضي إتمام عملية فتح المضيق قبل كل اعتبار آخر.

ويتقاطع مع هذه القراءة الباحث عدنان العبادي الذي أكد أن النوايا الإيرانية كانت مبيّتة في الأصل، وأن التهديد لدول المنطقة ولدولة الإمارات تحديدا لم يكن مفاجئا، مشيرا إلى أن إيران أخذت المضيق و20 ألف بحار وما يزيد على ألفي سفينة ومليارات الدولارات رهائنَ، لتحولها جميعا إلى أوراق مفاوضة مع الجانب الأميركي.

وعلى الصعيد الميداني، لفت العبادي إلى أن السكان في دولة الإمارات باتوا يتعاملون مع ما يُسمى “صوت الأمن” حين يصلهم إنذار، باعتباره دليلاً على أن وحدات الدفاع الجوي تتعامل بفاعلية مع أي تهديد.

الاعتبارات الثلاثة.. كيف تُدار المعركة؟
قدم الزغول إطارا تحليليا دقيقا لقراءة الموقف، مفاده أن أي قيادة عاقلة تواجه هجوما تعمل وفق 3 اعتبارات متتالية:

وعلى صعيد الاعتبار الأول، أشار إلى أن القوات المسلحة الإماراتية تصدت للهجوم بكفاءة عالية، مستشهدا بتصريحات الرئيس الأميركي الذي أشاد بقدرات الإمارات الكاملة في التصدي للتهديد، مؤكدا أن الأمن في هذه البلاد مستقر ومحفوظ وأن “الأيدي دائما على الزناد”.

وفي السياق ذاته، أشار العبادي إلى أن دولة الإمارات تعتمد استراتيجية ردع واضحة، وأن هذه الاستراتيجية تطورت بعد تصريحات المستشار الدبلوماسي أنوار قرقاش التي أعلن فيها الانتقال من استراتيجية الاحتواء إلى استراتيجية الردع، ليؤكد أن الإمارات لم تكن يوما طرفا مستفزا عاجزا، بل دولة ذات سيادة حاولت دائما تجنب الانزلاق إلى الصراعات، غير أنها لن تتردد في الدفاع عن نفسها.

مناوشات أم اعتداء صارخ؟
أثار الكاتب الصحفي محمد الحمادي إشكالية التوصيف الأميركي للحادثة، مؤكدا أن التصعيد الإيراني لم يكن عشوائيا، بل جاء ليقيس ردة فعل الولايات المتحدة على أي خرق للهدنة.

وقد انحصر الرد الأميركي في التصريحات وحدها، فيما ذهب وزير الدفاع إلى القول بأن ما جرى لم يصل إلى مستوى خرق الهدنة، وهو ما رآه الحمادي مؤشرا بالغ الخطورة يعطي النظام الإيراني طمأنينة ويغريه بمزيد من الاعتداءات.

وأوضح العبادي خلال حديثه أن “المناوشات” بمفهومها العسكري تعني تبادل إطلاق نار بسيط بأسلحة خفيفة داخل منطقة محددة وغير مؤثرة، وقد لا تنتج عنها إصابات.

أما الحديث عن صواريخ باليستية وطائرات مسيرة تستهدف منشآت حيوية ومدنيين في دولة ذات سيادة، فهو اعتداء صارخ لا يقبل التهوين أو التقليل.

وتساءل الحمادي بجراءة: لو كانت هذه الاعتداءات موجهة إلى إسرائيل ، هل كانت الولايات المتحدة ستعتبرها مجرد مناوشات؟ مضيفا أن الموقف الأميركي يجب أن يكون أكثر وضوحا، وأن التحفظ الأميركي بات يلقي بظلاله السلبية على العملية التفاوضية ذاتها، إذ لا يُعقل أن تكلل مفاوضات بالنجاح حين يختبر أحد الأطراف قوة الآخر في كل مناسبة دون أن يلقى ردا حازما.

ترامب.. سيد القرار أم لاعب يمتص الصدمات؟
قرأ المناوي الموقف الأميركي من زاوية نفسية وسياسية مختلفة، مؤكدا أن الرئيس ترامب يسعى بالدرجة الأولى إلى ترسيخ صورة الرجل الذي يمتلك عنصر القرار وحده، الذي يحدد متى يبدأ ومتى يتوقف، وحتى من ينتصر.

ولذلك آثر ترامب امتصاص الضربة الإيرانية وتقليل أهميتها، مع الإبقاء على حق الرد في الوقت الذي يراه مناسبا، بحيث يظل هو دائما صاحب المبادرة لا رد الفعل.

وأشار المناوي إلى أن ترامب نجح في جعل وسائل الإعلام العالمية ترصد كل كلمة يقولها، حتى حين يتحدث في مناسبات بعيدة عن السياسة، وهو ما يشبع رغبة شخصية عميقة بأنه القائد الأوحد وصاحب الكلمة والقرار.

وأوضح أن السيناريو الأفضل بنظر ترامب يبقى التوصل إلى اتفاق يسوقه للداخل الأميركي والخارج باعتباره انتصارا، وهو ما لا يزال يردده لفظيا حتى اللحظة.

إيران تحت حكم الميليشيات
قدم الزغول والعبادي معا توصيفا متطابقا للطبيعة الجديدة للنظام الإيراني. فقد استحضر الزغول مثاله عن “لعبة الشطرنج مع الغوريلا”، مؤكدا أن الميليشيات العقائدية لا تؤمن بقواعد اللعبة ولا تفهمها، ولا ينبغي السؤال عن دوافعها لأنها تتصرف وفق طبيعتها فحسب.

وخلص إلى أن إيران التي زرعت الميليشيات في المنطقة وفتتت الدولة الوطنية باتت هي نفسها ضحية هذا الزرع، فلم تعد دولة بالمعنى الفعلي بل منظومة تحكمها الميليشيات.

وأكد العبادي من جهته أن إيران خرجت عن منظومة الدولة وأصبحت تدار من قبل أشخاص لم يعد لديهم أدنى حد من المسؤولية في احترام الجوار أو الأنظمة أو القوانين أو الاتفاقيات الدولية.

وهذا الواقع يجعل أي اتفاق مع طهران مشروطا بضمانات ملزمة وصارمة بعدم التعرّض لدول الجوار، وهو ما بات أولوية استراتيجية وأمنية لا يمكن تأجيلها أو القفز عليها إلى مرحلة لاحقة.

المجتمع الدولي.. حاجز أعرج أم حمار ضروري؟
رأى الحمادي خلال مداخلته أن العمل الدولي، ومنه مشروع القرار الذي تعمل عليه الولايات المتحدة و دول الخليج في الأمم المتحدة بشأن مضيق هرمز استنادا إلى الفصل السابع المجيز لاستخدام القوة، يجب ألا يتوقف بصرف النظر عن أي تحرك عسكري.

وأضاف أن رفع هذا القرار حتى مع توقع الفيتو الروسي والصيني يضع هذين الطرفين في مواجهة المجتمع الدولي وشركائهم، وهو ما لا يقل أهمية عن أي عمل عسكري أو سياسي.

في المقابل، شكك العبادي في جدوى الأمم المتحدة، مستدلا بأنه قبل مجيء ترامب لم يصدر عنها أي قرار يدين الاعتداءات الإيرانية على دول الجوار، ولا قرار يتعلق بمضيق هرمز أو مضيق باب المندب، مؤكداً أن حق النقض “الفيتو” يجعل أي قرار مصيره الإخفاق. واعتبر أن مجلس السلام الذي أسّسه ترامب أثبت فاعلية أكبر على أرض الواقع مقارنةً بآليات الأمم المتحدة التقليدية.

أما المناوي فقد طرح نقدا جوهريا مفاده أن السياسة الأميركية نفسها أسهمت في إجهاد هذه المؤسسات وتقويضها، داعيا إلى عدم التخلي عنها رغم قصورها، إذ إنها تمثل “الضمير الإنساني العام” وتمنح شرعية إنسانية للفعل حتى حين تعجز عن منح الشرعية القانونية.

واستعان بمثل شعبي مصري قائلا إن المنظمات الدولية هي “الحمار الأعرج الذي يغنيك عن سؤال اللئيم”، محذرا من أن البديل عنها هو ترك الحكم الكامل لترامب ومجلس السلام وإغلاق سائر المؤسسات.

وختم بدعوة دولة الإمارات إلى استثمار هذه الأزمة فرصة للمطالبة بإصلاح جوهري لهيكل الجامعة العربية وآليات عملها، لأن الأزمة، كما قال، فرصة لمن يحسن استثمارها.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *