وبينما كانت المروحيات القتالية تحوم فوق العاصمة عقب الهجوم الذي أودى بحياة وزير الدفاع ساديو كامارا، وفقاً لما أكدته تقارير ميدانية، كان المنقبون في الجنوب يواصلون هز أوعيتهم الخشبية بحثاً عن “التبر” وهو عبارة عن غبار الذهب الموجود بكثرة في سطح التربة.
وبالنسبة لهؤلاء، الذهب هو الحياة، لكن بالنسبة للنظام وحلفائه في موسكو، الذهب هو “عملة البقاء” في وجه العزلة الدولية.
تعد مالي اليوم مسرحاً لأكبر عملية استبدال للنفوذ في أفريقيا منذ نهاية الحرب الباردة. وبينما تسعى باماكو لتأمين “غبار الذهب” لتغذية خزائنها، تشير البيانات المسجلة والتقارير الدولية إلى أن هذا التحالف بدأ يغرق في رمال الصحراء، مخلفاً حصيلة قتلى مرعبة وفشلاً في حماية السيادة.
ذهب يرفض الانصياع للرصاص
في مالي ، يبدأ الاقتصاد وينتهي عند “التبر”؛ وهو الذهب في حالته الخام الأولية.، ليس اليوم، بل منذ عهد ملك مالي الأشهر الحاج منسى موسى الذي صنف كأغنى رجل عبر التاريخ قبل ظهور إيلون ماسك.
وتوضح بيانات قطاع التعدين المحلي في مالي أن أكثر من مليوني مواطن يعتمدون على التعدين التقليدي كضمانة أخيرة ضد الفقر. ففي مناطق مثل “كاي” و”سيكاسو”، يحفر المنقبون آباراً يدوية تصل أعماقها لثلاثين متراً، ثم تبدأ النساء عملية “الغسل” اليدوي في أوعية خشبية حتى يترسب الذهب الثقيل في القاع.
ويضخ هذا النشاط البدائي سنوياً ما بين 15 إلى 30 طناً من الذهب، وهو ما يمثل “الجائزة الكبرى” التي تسعى موسكو وباماكو لتأميمها. وقد كشفت تقارير اقتصادية متخصصة عن توقيع الطرفين اتفاقات لبناء مصفاة وطنية للذهب بدعم روسي، تهدف لتحويل مالي إلى منتج للسبائك السيادية، مما يوفر لموسكو وسيلة حيوية لتوفير سيولة نقدية بعيدة عن مراقبة الأنظمة المالية العالمية.
“فيلق أفريقيا”
منذ دخول مجموعة “فاجنر” الروسية إلى مالي في عام 2022، كانت الرواية الرسمية للكرملين هي تقديم البديل الأمني الفعال للغرب. ولكن، وفقاً لتقرير حديث ومفصل أصدره معهد الدراسات الأمنية في جنوب أفريقيا تحت عنوان “ماذا بعد لمالي مع فشل واجنر”، فإن الواقع الأمني بات اليوم أسوأ بكثير مما كان عليه إبان الوجود الفرنسي.
واستند معهد الدراسات الأمنية في تحليله إلى أرقام صادمة قدمها مشروع رصد مواقع الصراعات “أكليد”، أظهرت قفزة مخيفة في متوسط الوفيات المرتبطة بالنزاع المسلح من سبعمائة وستة وثلاثين حالة سنوياً قبل دخول الروس، إلى أكثر من ثلاثة آلاف ومئة حالة سنوياً خلال العامين الماضيين. ويرى هيني نسيبية، وهو كبير المحللين في مشروع “أكليد”، أن الاستراتيجية الروسية في مالي تحولت بوضوح نحو تأمين النظام الحاكم وحماية البنية التحتية الاستراتيجية على حساب أمن المدنيين في الأرياف.
ومع تحول فاجنر في يونيو الماضي إلى ما يسمى “فيلق أفريقيا” تحت إشراف وزارة الدفاع الروسية، حاول الكرملين إضفاء صبغة نظامية على عملياته. ومع ذلك، ينقل تقرير معهد الدراسات الأمنية عن ضابط مالي ميداني قوله بمرارة إن بلاده انتقلت من “المقلاة إلى النار”، مؤكداً أن ممارسات المقاتلين الروس تسببت في قطع أهم مورد في الحرب ضد الإرهاب وهو التعاون الاستخباراتي مع السكان المحليين.
براغماتية الشركات
رغم هذا الانهيار الأمني، تظل شركات التعدين العالمية تتبع استراتيجية براغماتية باردة. وبحسب إفادات لمديرين تنفيذيين في قطاع التعدين، فإن الارتفاع القياسي في أسعار الذهب العالمية يجعل من المخاطر الأمنية في مالي “جزءاً من كلفة ممارسة الأعمال”.
وفي الجانب الصيني، تبرز شركة “جانفينج ليثيوم” كلاعب رئيسي، حيث صرح مسؤول رفيع في الشركة بأن منجم “غولامينا” الاستراتيجي يقع بعيداً عن مناطق النزاع المشتعلة وأن الشركة مستعدة تماماً لكافة الاحتمالات.
كما استحوذت شركة “زيجين” الصينية مؤخراً على أصول تعدينية كندية في مالي، معتمدة على فرق تأمين مسلح محترفة لحماية مواقعها.
وعلى الصعيد الغربي، أكدت شركة “ريزولوت” الأسترالية في بيان رسمي أن عملياتها في جنوب البلاد لا تزال تعمل بكامل طاقتها ولم تتأثر بالهجمات الأخيرة.
وفي سياق متصل، أوضح فينسينت روجيه، المحلل في شركة “كونترول ريسكس” الاستشارية، أن التحدي الأكبر الذي يواجه هذه الشركات الآن يكمن في تأمين الطرق اللوجستية التي يحاول المسلحون قطعها لمنع وصول الوقود والمؤن إلى مواقع الإنتاج.
بين موسكو وواشنطن
ويحذر دانييل فان دالين، وهو كبير المحللين في شركة “سيجنال ريسك” الاستشارية، من أن الإحباط المتزايد من الوضع الأمني قد يمهد الطريق لانقلاب عسكري آخر. وأضاف فان دالين في تصريحات أن هناك خطراً حقيقياً من أن يلجأ المجلس العسكري لتشديد قبضته على المصالح الأجنبية، وخاصة الأصول الغربية، لتعويض تراجع العائدات المالية.
من جهتها، وصفت منظمة “ذا سنتري” الأمريكية في تقريرها الأخير مجموعة واجنر بأنها فشلت في أن تكون القوة القتالية أو الفاعل الاقتصادي الناجح الذي ادعت تمثيله.
واعتبرت المنظمة أن هذا الإخفاق يمثل رسالة تحذيرية واضحة للدول المجاورة مثل النيجر وبوركينا فاسو التي تسير في المسار ذاته نحو موسكو.
وفي شهادة أمام الكونجرس الأمريكي، أكدت المحللة الأوكرانية ماريا كوتشيرينكو أن روسيا تستخدم مالي كجزء من شبكة لوجستية معقدة لخدمة مصالح جيوسياسية مقابل الوصول للموارد.
وبحسب صحيفة “ذا إيكونوميست” البريطانية، فإن واشنطن بدأت بالفعل في إرسال مسؤولين لبحث صفقات معادن ومساعدات أمنية، في إشارة إلى أن الصراع الدولي على ذهب مالي دخل فصلاً جديداً من إعادة الحسابات الميدانية والسياسية.
مالي.. الذهب يرفض الانصياع للرصاص بين موسكو وباماكو









