Home / سياسة / إيران والخليج.. مرحلة مفصلية وتحديات الأمن الجديد

إيران والخليج.. مرحلة مفصلية وتحديات الأمن الجديد

إيران والخليج.. مرحلة مفصلية وتحديات الأمن الجديد

توصيف هذا التحليل فتح الباب أمام قراءات تحليلية معمقة قدمها عدد من الباحثين والخبراء، عكست إدراكا متزايدا بأن المنطقة تقف أمام إعادة تشكيل جذرية لمفاهيم الأمن، في ظل تصدع التحالفات التقليدية، وفشل سياسات الاحتواء، وصعود مقاربات ردعية أكثر صرامة.

إيران والخليج.. تهديد يتجدد ومرحلة مفصلية
يؤكد الباحث في مركز الإمارات للسياسات محمد الزغول، أن الموقف الإماراتي يعكس توجها نحو إعادة قراءة شاملة للمشهدين الإقليمي والدولي.
ويوضح أن الحرب الجارية، رغم استمرارها، كشفت عن خلل عميق في منظومات التحالف، سواء في علاقة إيران بحلفائها التقليديين، أو داخل التحالفات الغربية، وصولا إلى المنظومات الإقليمية مثل الجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي.
ويشير الزغول إلى أن هذا التصدع بلغ مستويات غير مسبوقة، لدرجة أن المخاوف الأوروبية من السياسات الأميركية باتت تتجاوز القلق من التهديدات الإيرانية، ما يعكس أزمة ثقة مركبة داخل المنظومة الغربية نفسها.
وبناء على ذلك، يخلص إلى أن المرحلة المقبلة ستفرض إما إعادة تأهيل هذه التحالفات أو الذهاب نحو صياغة أطر جديدة بالكامل.

“2800 رسالة عداء”.. انهيار منطق الاحتواء
في تشخيصه لطبيعة السلوك الإيراني، يقدم الزغول معطى رقميا لافتا، مشيرا إلى أن طهران أرسلت ما يقارب 2800 رسالة عداء مباشرة إلى دولة الإمارات، في دلالة إحصائية على نمط عدائي ممنهج.
ويضع هذا الرقم في سياق أوسع من فشل سياسات الاحتواء التي انتهجتها دول الخليج.

هرمز أولا.. هل تعيد إيران ترتيب أوراق التفاوض؟
ويستعرض الزغول نماذج متعددة، من الوساطة العمانية التي أفضت إلى اتفاق 2015، إلى الجهود القطرية في دعم القطاع الطاقوي الإيراني، مرورا بالعلاقات التجارية الواسعة مع الإمارات، والتفاهم السعودي الإيراني بوساطة صينية، ليؤكد أن جميع هذه المسارات انتهت بنتيجة واحدة: “نكران متكرر” وردود معاكسة.
وفي هذا السياق، يشدد الزغول على أن الرهان على مواقف القوى الدولية، بما في ذلك الولايات المتحدة، لم يعد خيارا استراتيجيا، خصوصا في ظل غياب أي إشراك خليجي في العمليات أو المفاوضات، نافيا بشكل قاطع ما تروجه إيران حول وجود مشاركة خليجية في أي عمل عسكري ضدها، واصفا تلك الادعاءات بأنها “كذب محض” يهدف إلى تبرير استهداف دول المنطقة.

ازدواجية القرار الإيراني.. من الشعارات إلى الفعل
من جانبه، يركز الخبير في الشؤون الإيرانية شادي دياب على البنية الداخلية للنظام الإيراني، معتبرا أن ما جرى يعكس ازدواجية عميقة في اتخاذ القرار.
ويستحضر توصيف الرئيس السابق حسن روحاني لوجود حكومتين، واحدة مدنية وأخرى مسلحة، في إشارة إلى الحرس الثوري.
ويرى دياب أن هذه “الحكومة العميقة المسلحة” هي التي تقود السلوك العدائي، وتعمل على تقويض أي تفاهمات دبلوماسية، مؤكدا أن الهجوم الأخير لم يكن رد فعل، بل نتيجة تخطيط طويل الأمد.
ويخلص إلى أن المرحلة الجديدة تفرض اعتماد مبدأ “الأفعال هي الفيصل”، مع ضرورة بناء السياسات على أسوأ السيناريوهات، في ظل مؤشرات على انقسامات داخلية حادة في إيران.

من دولة إلى “عصابة”
يقدم الباحث في مركز زيدان للأمن والدفاع عدنان العبادي مقاربة أكثر حدة، معتبرا أن تصريحات الدكتور أنور قرقاش “وضعت النقاط على الحروف”، عبر توصيف الهجوم الإيراني كجريمة مكتملة الأركان مع سبق الإصرار والترصد. ويؤكد أن هذا التوصيف يسقط نهائيا جدوى الاستمرار في سياسات الاحتواء.
ويذهب العبادي إلى توصيف مباشر لطبيعة النظام الإيراني، معتبرا أنه “لم يعد دولة” بل “عصابة تقودها ميليشيات”، تعتمد على الحروب غير التقليدية، ما يجعلها غير قابلة للاندماج في المنظومة الإقليمية.
ويشدد على أن التعامل مع هذا النمط من التهديد يتطلب أدوات ردع غير تقليدية، تتجاوز المقاربات التقليدية للاحتواء.
كما يبرز العبادي أن الإمارات نجحت في مواجهة التهديدات الصاروخية والطائرات المسيرة بقدراتها الذاتية، رغم استخدام منظومات تسليح غربية، مؤكداً أن المرحلة المقبلة ستشهد انتقالا واضحا نحو استراتيجيات الردع، بل وربما السياسات الاستباقية، استنادا إلى المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة.

مساءلة الغرب وسردية “إيران غيت”
في قراءة سياسية أوسع، يربط الكاتب والباحث محمد قواص بين التحولات الراهنة والسياق التاريخي للعلاقة بين الغرب وإيران. ويؤكد أن التهديد الإيراني لم يكن مفاجئاً، بل شكل دافعا رئيسيا لتأسيس مجلس التعاون الخليجي.
ويشير قواص إلى أن دول الخليج حاولت إدارة هذا التهديد عبر التعايش ووضع قواعد اشتباك، إلا أن التجربة أثبتت محدودية هذه المقاربة. وفي هذا السياق، يطرح مسألة مساءلة الغرب، معتبرا أن سياساته ساهمت في تعزيز النفوذ الإيراني.
ويستحضر قواص مثال “فضيحة إيران غيت” في ثمانينيات القرن الماضي، كدليل على وجود تداخلات معقدة سمحت لإيران بالحصول على دعم عسكري، معتبرا أن هذه السوابق التاريخية تعزز الشكوك الخليجية تجاه مدى موثوقية الشراكات الغربية.
كما يلفت إلى أن تراجع الدور الأميركي يدفع دول الخليج، وخاصة الإمارات، إلى تبني مقاربات أكثر استقلالية، سواء على مستوى بناء القدرات الدفاعية أو إعادة صياغة التحالفات.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *