كتب العقيد متقاعد إبراهيم الحوري بعنوان “قراءة استخباراتية في عملية الانسحاب من كتم إلى الولاية الشمالية- تشكل عملية خروج القوة بقيادة النور القبة من منطقة كتم ووصولها إلى الولاية الشمالية، بعد رحلة ميدانية استغرقت أكثر من أسبوع، نموذجًا لعمليات الانسحاب التكتيكي المعقدة التي تعتمد على مزيج دقيق من التخطيط الاستخباراتي والمرونة العملياتية.
في ظاهرها، تبدو العملية مجرد تحرك ميداني طويل عبر بيئة صحراوية قاسية، إلا أن التحليل الأعمق يكشف أنها تمت وفق مفهوم الانسحاب التكتيكي المدروس، الذي لا يهدف فقط إلى تجنب الاشتباك، بل إلى إعادة التموضع مع الحفاظ على الجاهزية القتالية. هذا النوع من العمليات يتطلب بالضرورة تأمين ممرات انسحاب آمنة، غالبًا ما يتم تحديدها مسبقًا بناءً على معلومات دقيقة حول انتشار الخصم وثغراته.
تعكس العملية كذلك مستوى متقدمًا من التفوق الاستخباراتي، حيث تشير القدرة على التحرك لمسافات طويلة دون رصد فعّال إلى امتلاك معلومات ميدانية دقيقة، سواء عبر مصادر بشرية أو وسائل استطلاع أخرى. ويُعزز ذلك ما يظهر من وعي ظرفي عالٍ، مكّن القوة من قراءة مسرح العمليات بشكل مستمر، والتكيف مع المتغيرات على الأرض.
ومن العناصر الحاسمة في نجاح هذا التحرك، الاعتماد على التمويه العملياتي، الذي حدّ من فرص الكشف والاستهداف، إلى جانب دعم لوجستي خفي حافظ على استمرارية الحركة في بيئة تُعد من أكثر البيئات تحديًا من حيث الإمداد. كما أن تنفيذ مناورة ميدانية بعيدة المدى بهذا الشكل يشير إلى تدريب جيد وانضباط عالٍ داخل الوحدات المشاركة، فضلًا عن القدرة على الحفاظ على انتشار مرن يسمح بإعادة التشكّل حسب التهديدات.
على مستوى الدلالات، تطرح هذه العملية تساؤلات جدية حول مدى إحكام السيطرة على إقليم دارفور، إذ إن نجاح قوة في تنفيذ اختراق جغرافي بهذا الحجم دون اعتراض حاسم، يكشف عن وجود فجوات في تغطية مسرح العمليات، سواء على مستوى الاستطلاع أو الانتشار.
كما لا يمكن إغفال البُعد الإقليمي، حيث تتقاطع بعض التقديرات مع وجود دعم غير مباشر لبعض الأطراف من جهات خارجية، من بينها عناصر مرتبطة بـ محمد كاكا، وقوات يقودها خليفة حفتر، وإن كانت طبيعة هذا الدعم ومداه لا تزال ضمن نطاق المعلومات غير المؤكدة. في المحصلة، تكشف العملية عن أن الصراع في دارفور لا يزال يتسم بدرجة عالية من السيولة والتعقيد، وأن ميزان السيطرة الميدانية يخضع لتغيرات مستمرة، تحكمها عوامل الاستخبارات، واللوجستيات، والقدرة على المناورة أكثر مما تحكمها السيطرة الثابتة على الأرض.
وهذه العملية الناجحة سيكون لها مابعدها اذ ستمكن المزيد من اللحاق بركب الوطن والاستفادة من عفو القائد العام.
قراءة استخباراتية في عملية الانسحاب من كتم إلى الولاية الشمالية.









