أثارت صعود مرشح الرئاسة الإيرانية، إبراهيم رئي، إلى واجهة المشهد السياسي تساؤلات بشأن ما إذا كان يعكس تكليفا ظرفيا أم محاولة منه لصعود إلى قمة السلطة، التي تشهد تنازعا وتوزيعا لافتين منذ بداية الصراع الحالي.
وفي ظل الضعف الشديد الذي تمر به القيادة الإيرانية في الوقت الراهن، بعد مقتل عدد من قيادات الصف الأول، على رأسهم المرشد السابق علي خامنئي، وتغيبه عن الظهور العلني، تحاول بعض الأطراف داخل إيران تقديم نفسها كحل وبديل لقيادة البلاد، لكن هذه الأطراف عليها أن تتفوق على منافسيها داخليا وتكسب ثقة الخارج.
وخلال التحضير للمفاوضات، قدم رئي خطابا مزدوجا؛ فمن جهة تبنى نبرة تصعيدية تتحدث عن القدرة على مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل والسيطرة على مضيق هرمز، ومن جهة أخرى شدد على أن التفاوض يظل خيارا لا بديل عنه، في محاولة واضحة لتحقيق توازن بين متطلبات الداخل وضغوط الخارج.
وقوبل خطاب رئي بردود فعل حادة من التيار الأصولي، حيث شن أنصار أمين المجلس الأعلى للأمن القومي السابق في إيران، سعيد جليلي، الأكثر قربا من الحرس الثوري، إلى جانب شخصيات بارزة مثل النائب البرلماني أمير حسين ثابتي، حملة انتقادات واسعة، معتبرين أن الانخراط في مفاوضات مع واشنطن يمثل انحرافا عن ثوابت النظام.
وتجاوز التصعيد النقد السياسي وتحول إلى اتهامات بالخيانة، مع تلويح بعض الأصوات بسيناريوهات تصعيدية تصل إلى حد إحداث تغيير سياسي، مستندين إلى تعبئة إعلامية وتحركات على الأرض لرفض أي مرونة في الملفات الحساسة، خصوصا ما يتعلق بتخصيب اليورانيوم أو الترتيبات الإقليمية.
وأكدت تقارير محلية أن رئي رد على منتقديه خلال اجتماع مع مستشاره، واصلا بعضهم بتيارات متطرفة قد تقود البلاد إلى مسارات خطرة، ومتهما خصومه بتوظيف الإعلام لإفشال أي اتفاق محتمل.
ويعكس التنازع بين أجنحة السلطة الإيرانية، وفق تقديرات مراقبين، انتقال الخلاف من مستوى التباين في الرؤى إلى صراع مباشر على تمثيل النظام في لحظة تفاوضية مفصلية، حيث يسعى كل طرف إلى تثبيت موقعه داخل معادلة السلطة. وليس أدل على هذا الانقسام من إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن السلطة في إيران تعاني انقساما واضحا.
وقال ترامب، في معرض إعلانه تمديد وقف إطلاق النار، إن قراره جاء بناء على طلب باكستان “حتى يتمكن القادة والممثلون الإيرانيون من التوصل إلى اقتراح موحد”، في إشارة إلى وجود صعوبة في الحصول على رأي وصوت إيراني واحد.
ويعد أبرز ما يهدد أي ممثل لإيران في المفاوضات أو القرارات المعلنة هو ألا ينصاع الحرس الثوري للاتفاق أو القرار النهائي.
وبحسب مركز دراسات الحرب، فقد يكون قائد الحرس الثوري الجنرال أحمد وحيدي والمقربون منه قد فرضوا سيطرة فعلية على مسار المفاوضات طوال الحرب، وهو دور تقليدي من اختصاص القيادات السياسية.
وبحسب المركز، يُرجح أن وحيدي سعى لفرض رقابة الحرس الثوري على المحادثات الأخيرة بين واشنطن وطهران في إسلام آباد، حيث حاول إدخال أمين عام مجلس الأمن القومي الجديد محمد باقر ذو القدر ضمن الفريق التفاوضي، رغم اعتراض رئي ووزير الخارجية عباس عراقجي بسبب افتقاره للخبرة الدبلوماسية.
ويبدو أن الهدف كان مراقبة سير المفاوضات وإبلاغ طهران بأي انحراف عن توجيهات وحيدي أو المرشد مجتبى خامنئي، بحسب المركز.
وقدم ذو القدر شكوى إلى قيادات الحرس، بينهم وحيدي، اتهم فيها عراقجي بتجاوز صلاحياته عبر إبداء مرونة تجاه دعم إيران لما يعرف بـ”محور المقاومة”، ما دفع شخصيات بارزة، بينها حسين طائب، إلى استدعاء الوفد التفاوضي إلى طهران.
كما استمر الدور المتضخم للحرس الثوري بعد محادثات إسلام آباد، إذ التقى قائد الجيش الباكستاني عاصم منير برئي وقائد مقر خاتم الأنبياء في الحرس الثوري علي عبداللهي آبادي في طهران في 16 أبريل ضمن جهود الوساطة، وهو أمر غير معتاد نظرا لأن قائد “خاتم الأنبياء” ليس عضوا في الفريق التxfa، بينما يختص هذا المقر رسميا بإدارة العمليات المشتركة وعمليات زمن الحرب.
وتشير سيطرة الحرس الثوري على عملية اتخاذ القرار إلى أن المسؤولين السياسيين الإيرانيين المشاركين في التفاوض مع الولايات المتحدة لا يمتلكون صلاحية مستقلة لتحديد المواقف التفاوضية.
ووفق المركز “يعكس ذلك حالة انقسام داخل النظام بين تيار متشدد وآخر براغماتي يفتقر إلى موقف موحد، فيما يبدو أن الحرس الثوري همّش الشخصيات الأكثر اعتدالاً التي كانت واشنطن تتعامل معها”.
وتشير تقارير إلى خلافات بين وحيدي ورئي حول قضايا الأمن القومي والسياسة الخارجية، في حين يفتقر الأخير إلى النفوذ العسكري الذي يمتلكه وحيدي، وهو ما يجعل التمسك بالتفاوض فرصة وحيدة لرئي لجلب دعم دولي في مواجهة الحرس الثوري.
يرى عضو المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، حسين داعي الإسلام، أن إسناد رئاسة الوفد لرئي يكشف عن خلل في تماسك مراكز القرار أكثر مما يعكس صعودا طبيعيا في موقعه.
ويؤكد داعي الإسلام، في تصريحات لموقع، أن هذه الخطوة “تعبر عن محاولة لإعادة توزيع الأدوار في ظل غياب رؤية موحدة”، مشيرا إلى أن رئي يسعى لتكريس نفسه كصانع قرار، رغم استمرار تمركز النفوذ الفعلي في الحرس الثوري.
كما يحذر من أن تعمق الانقسامات قد يفتح المجال أمام موجات احتجاج جديدة، في ظل حالة السيولة التي يعيشها النظام.
ويرى داعي الإسلام أن رئي “يحاول توظيف ملف التفاوض كمنصة لإعادة تشكيل موقعه داخل النظام، عبر الجمع بين خطاب القوة داخليا والانفتاح خارجيا، وهو ما يُشبه فكرة حصان طروادة الشهيرة، ومحاولة للتخفي وراء أشياء ضخمة للوصول إلى أهداف كبرى غير ظاهرة للبعض”.
ومن جانبه، يرى هاني سليمان، الخبير في الشأن الإيراني، في حديث لموقع، أن “تحركات رئي تعكس محاولة لتقديم نفسه كوجه براغماتي يمكن التعاطي معه دوليا، دون خسارة توازنه مع الحرس الثوري”.
ويشير إلى أن “غياب بزشكيان عن الواجهة أوجد فراغا نسبيا سمح لرئي بتعزيز حضوره”، لافتا إلى أن بعض الدوائر الأميركية قد تنظر إليه كشخص قادر على التوصل إلى تفاهمات، في ظل سعي واشنطن إلى إيجاد شريك يمكنه تمرير الاتفاق داخلياً.
بدوره، يعتبر الكاتب والمحلل الإيراني الأميركي آرش عزيزي، خلال تحليل للوضع عبر موقع، أن طموحات رئي السياسية ليست جديدة، لكن نجاحها يبقى مرهونا بقدرته على تحقيق نتائج ملموسة في المفاوضات تعينه على حصد نقاط في مواجهة تيار الحرس الثوري.
ويشير إلى أن “بعض التقديرات الغربية ترى فيه شخصية قادرة على الجمع بين النفوذ داخل مؤسسات النظام والقدرة على تسويق التفاهمات، ما يجعله خيارا عمليا لها في حال التوصل إلى صفقة، خاصة في الملفات المرتبطة بالطاقة والأمن”.
وفي المقابل، يؤكد ناصر بليدائي، المتحدث باسم حزب الشعب البلوشي المعارض، في حديث لموقع، أن رئي “يفتقر إلى قاعدة شعبية واسعة، وهو ما يدفعه إلى التعويض عبر توظيف موقعه التفاوضي لتعزيز حضوره السياسي”.
كما يشير بليدائي إلى أن “بعض الفصائل لا ترغب في أن يتحول إلى واجهة التفاوض أو أن يحتكر تمثيل النظام في هذه المرحلة الحساسة”.









