Home / سياسة / أزمة الكهرباء في بورتسودان تكشف فصول جديدة من الفساد المستشري في السودان.

أزمة الكهرباء في بورتسودان تكشف فصول جديدة من الفساد المستشري في السودان.

أزمة الكهرباء في بورتسودان تكشف فصول جديدة من الفساد المستشري في السودان.

في بورتسودان، التي تحولت مؤقتاً إلى مركز إداري قبل عودة العاصمة، شهدت أزمة الكهرباء واحدة من فصول الفساد الإداري والسياسي في السودان الحارب. أزمة الكهرباء لم تكن نتيجة انهيار البنية التحتية بسبب الصراع فقط، بل كانت “صناعة أزمة” متكاملة الأركان، تهدف لإجبار الدولة على الموافقة على عقود تستنزف الخزينة المنهكة وتغتال أمنيات العائدين.

بدأت المأساة عندما تعثرت محطة كهرباء “كلانييب” بسبب تراكم ديون بنك التنمية الأفريقي، وهي تركة من حقبة النظام السابق. بدلاً من إيجاد حلول جذرية، اتجهت الدولة إلى الحلول المؤقتة، باستئجار البارجة التركية. ومع مرور الوقت، تحول هذا الحل المؤقت إلى احتكار دائم، وتعطلت فكرة المحطة الوطنية لصالح “السوق التجاري” للطاقة.

مع اندلاع الحرب ونزوح مؤسسات الدولة، وجد السودان نفسه رهينة لشركة (Kar powership). الشركة لم تكتف بالابتزاز غير المباشر بمديونياتها السابقة، بل بدأت رحلة ابتزاز صريح؛ فكلما اقترب فصل الصيف، اشترطت “السداد مقدم أو الإطفاء”. وفي لحظة انهيار قطاع الكهرباء وغياب البدائل، انصاعت الدولة مراراً لإملاءاتها.

لكن “شركة كهرباء السودان القابضة” قررت كسر هذا القيد عبر طرح عطاء دولي شفاف. وحين فُتحت المظاريف، تكشفت الحقيقة؛ فالمقارنة بين العروض كانت كافية لإحالة المسؤولين عنها إلى المحاكمة بتهمة الخيانة العظمى. شركة يمنية بنغلاديشية قدمت سعراً قدره 4.9 سنت للكيلوواط، مع منحة مجانية عبارة عن محطة طاقة شمسية بقدرة 100 ميجاواط. شركة عربية قدمت سعراً قدره 4 سنت للكيلوواط، لكن تم استبعادها بقرار أمني. الشركة التركية أصرت على سعر 9 سنت للكيلوواط، مع شروط مجحفة.

بدلاً من اختيار العرض الأفضل، تدخلت “أياد خفية” داخل مكاتب سيادية ووزارية لمماطلة عملية الفرز. الهدف كان استهلاك الوقت حتى يطرق الصيف الأبواب وتشتد حاجة المواطنين للكهرباء. وبينما كانت العطاءات محبوسة في الأدراج، بدأ اللوبي الضغط بورقته الأخيرة: “البارجة الجديدة تحتاج 3 أشهر لتصل، والناس ستموت من الحر، وقعوا مع البارجة التركية”. وبضغط هذا الضغط، تم تمرير عقد جديد مع البارجة التركية بسعر 7.1 سنت، وهو سعر أعلى بكثير من العروض الأخرى.

إصرار بعض الموظفين السياديين وممارسة ضغوط على وزارة الطاقة وشركة الكهرباء القابضة من أجل تجديد عقد البارجة التركية، رغم وجود عرض يوفر نصف التكلفة ويمنح البلاد محطة طاقة شمسية مجانية، ليس سوء تقدير، بل هو “جريمة فساد بائنة”. كيف يمكن لنازح أو جندي أو مواطن يحلم بالإعمار أن يثق في دولة تسمح لـ “لوبي مصالح” بأن يتحكم في شريان حياته؟ ما يحدث في دهاليز وزارة الطاقة وأروقة الجهاز التنفيذي السيادي يتجاوز حدود الفساد المالي؛ إنه استثمار في معاناة الناس، وطعنة في خاصرة الوطن وهو في أضعف حالاته.

الحقيقة البائنة هي: إن الكهرباء في السودان لا تنقطع بسبب انهيار بنيتها التحتية فحسب، بل تقطع أحياناً لأن هناك من يربح من الظلام.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *