رسمت دراسة حديثة أبعاد الأزمة الإيرانية الداخلية وتشعباتها على المسار التفاوضي مع الولايات المتحدة، مشيرة إلى وجود رسائل مزدوجة في اللحظة الراهنة.
وفق التحليل، يُعتبر محمد باقر قاليباف “من التيار المعتدل إن صح التعبير”، وغير مرتبط ارتباطا وثيقا بالمتشددين، يسعى إلى أن يكون حلقة وصل بين الجناح المتشدد ومن يرغبون في المفاوضات وتجنب الحرب داخل المنظومة الإيرانية. غير أن الرسالة الأعمق، وفق التحليل، موجهة في الأساس إلى الداخل، وتحديدا إلى الحرس الثوري الذي — كما وصفه المحلل — “يكابر ويتحدث بلغة المنتصر ونبرة متعنتة”.
حمل خطاب قاليباف رسالتين متوازيتين في آن واحد، حيث أشار إلى أن الانتقادات المتصاعدة التي وجهها الحرس الثوري إلى المفاوض الإيراني منذ محادثات إسطنبول، والتي طالت قاليباف بالاسم، جعلت هذه الرسائل المزدوجة ضرورة سياسية.
أوضح التحليل أن المطالب الأميركية باتت شبه معلومة في هذه المرحلة، وتتمحور حول محورين رئيسيين، وهذان المطلبان يمثلان في قاموس الحرس الثوري “استسلاما كاملا” وخضوعا للإرادة الأميركية، وهو ما يرفضه رفضا قاطعا. وستتمدد المفاوضات لتشمل الصواريخ الباليستية والميليشيات الإregionية وملفات أخرى، مما يجعل الفجوة بين المطالب الأميركية والإسرائيلية وبين ما يمكن أن يقبله الحرس الثوري فجوة هائلة لا يرجى ردمها في المدى القريب.
كشف التحليل عن معضلة بنيوية تعصف بمنظومة الحكم الإيرانية؛ فبعد غياب كبار المسؤولين العسكريين في الحرس الثوري، لا يوجد “رأس” واضح يمكن التواصل معه والتفاوض باسمه. والحكومة التي تمثل الواجهة الرسمية ليس لها السلطة الفعلية، في حين أن الحرس الثوري يعمل بعيدا عن توجيهات الرئيس مسعود بزشكيان بل في اتجاه معاكس لها في أحيان كثيرة. وصفت الحالة الراهنة بأنها “دولة بلا رأس.. ومفاوض بلا صلاحية”.
تتجلى المفارقة في أن قاليباف ليس غريباً عن الحرس الثوري أو خصماً له، بل هو “ثاني إرادة في الحرس الثوري”، أي الرجل الثاني في تراتبية هذه المؤسسة العسكرية النافذة. ومع ذلك، يجد نفسه اليوم في مواجهة مع المؤسسة التي صنعته، ساعياً إلى إقناعها بالتراجع عن مواقفها والقبول بمسار تفاوضي ترفضه رفضا قاطعا.
يرصد التحalăب تقاربا واضحا بين قاليباف وحكومة بزشكيان، إذ يسعيان معا إلى تشكيل فريق يضغط على الحرس الثوري لدفعه نحو القبول بمسار تفاوضي يجنب البلاد ويلات الحرب. غير أن ثمة عائقا جوهريا يقيد هذا التحالف، ويطرح السؤال: هل يستطيع قاليباف أن يلين مواقف الحرس الثوري؟ والتحليل يستبعد ذلك.
ويخلص التحليل إلى أن قاليباف يجد نفسه أمام معادلة مستحيلة: لا يستطيع الابتعاد عن الحرس الثوري لأنه سيفقد دوره التفاوضي وربما منصبه، ولا يستطيع الاقتراب منهم كثيرا لأنه سيفقد قبوله لدى الطرف الأميركي وجدواه كمفاوض.
ما يجري من مرونة نسبية لدى بعض الأطراف الإيرانية ليس تحولا حقيقياً في العقيدة، بل هو “انحناء للعاصفة” التي أنتجتها الضربات العسكرية والخسائر الفادحة التي تكبدتها إيران، من تدمير بنيتها العسكرية إلى مقتل قياداتها.









