تنتشر الخيام وتلتقي الطرق الترابية بمساحات خضراء مفتوحة عند أطراف بلدة بيالي الأوغندية، حيث يبدو مخيم كرياندونقو وكأنه مساحة بين ماضٍ انكسر وحياة تُعاد صياغتها. منذ اندلاع الحرب في السودان في نيسان/أبريل 2023، أفاد مسؤولون محليون بوصول نحو 600 ألف لاجئ سوداني إلى المخيم، حملوا معهم القليل من الأمتعة والكثير من الذكريات، محاولين إعادة ترتيب تفاصيل حياتهم المنقلبة رأساً على عقب.
يعيش حسين هاشم تيمان حياة لم يكن يتخيلها، حيث كان مهندساً مدنياً يعمل في بعثة يوناميد، ولكنه اليوم يجلس داخل خيمة ليرأس مجتمع اللاجئين السودانيين. يصف تيمان أجواء المخيم بأنها “لغة الحرب”، مشيراً إلى تراجع المساعدات وخيام لم تعد لستة أشهر بل أصبحت مأوى لسنوات. يخبر أن الخدمات محدودة أو غائبة، وأن رعاية صحية وتعليماً لا يزالان مفقودين، معرباً عن قلق شديد من مستقبل جيل كامل، معتمداً في تكافله على استلهام القوة من بعضه البعض.
لم يقتصر الوضع على المخيم، بل برزت مبادرات بسيطة تسهم في إنقاذ الحياة. من بينها المطابخ المجتمعية التي بلغ عددها 20 مطبخاً داخل المخيم، ساهمت في تقليل حالات الجوع وخلق ترابط اجتماعي. يتولى معتصم محمد أحمد مهام سكرتير هذه المطابخ، قائلاً إنها بدأت استجابة لتقليل رصدات الغذاء العالمي، وعلّمته “أن أكون إنساناً” تجاه من حوله، خصوصاً أهله السودانيين الذين يشعر أنهم من دمه ولحمه.
من العاصمة كمبالا، تتواصل الدكتورة وداد مكي مع المخيم عبر منظمة “الملم دارفور للسلام والتنمية”. كانت أستاذة في التربية الخاصة في السودان، وترى أن الحرب فرقت الأسر، وتعمل حالياً على دعم اللاجئين بتقديم الوجبات المتكاملة، محذرة من أن تطول الأزمة وتؤثر على التعليم والمعيشة والإيجارات في أوغندا، حيث لا توجد مصادر دخل أو فرص عمل.
في المقابل، حقق بعض السودانيين استقراراً نسبياً في كمبالا. الدكتور عبد الجبار أحمد آدم، اختصاصي أمراض باطنة، يواصل عمله في مستشفى قومبي بعد وصوله إلى أوغندا. يشير إلى أن الكوادر الطبية السودانية ساهمت في ترقية الخدمات الصحية هناك، معتبراً أن البيئة مرحبة ولا تفرق بين الجنسيات، معتبراً أن وجودهم لم يكن مجرد محاولة للتأقلم بل تحول إلى إضافة حقيقية للقطاع الصحي.
بعيداً عن المستشفيات، استقر إبراهيم زكريا في بلدة بيالي منذ عام 2008، وافتتح فندقاً أسماه “القلب الأبيض”. يروي سيرته من التجارة والزراعة، واصفاً فندقه كدعوة لتصفية الضمائر، معرباً عن امتنانه لاستقبال أوغندا له، رغم أنه يفتقد السودان وينتظر عودته.
يستمر اللاجئون في مواجهة تحديات يومية، معتمدين على بصيص أمل في أن تتوقف الحرب قريباً، ليعودوا إلى ديارهم. تستمر الحياة في المخيم، بين بساطة الحياة وضباب المستقبل.









