في خضم الأزمة السودانية المتفاقمة، يبدو أن الولايات المتحدة تلعب دوراً بالغ التعقيد، يجمع بين محاولات الضغط والترهيب وتوجيه رسائل ملتبسة لكل من الجيش السوداني وقوات الدعم السريع. فبعيداً عن الصورة الظاهرية للأزمة الإنسانية، تنظر واشنطن إلى السودان كملف جيواستراتيجي بالغ الحساسية، يقع في قلب القارة الأفريقية ويتقاطع مع التوازنات الإقليمية والمصالح الدولية المتشابكة.
مصادر مطلعة أشارت إلى أن واشنطن بدأت تلوّح للجيش السوداني بعقوبات محتملة، مستندة إلى مزاعم حول استخدام أسلحة كيماوية في الصراع الدائر. هذه المزاعم، التي لم يتم التحقق منها بشكل مستقل، تبدو وكأنها أداة سياسية تهدف إلى الضغط على الجيش وتقييد تحركاته، تمهيداً لإعادة تشكيل المشهد السوداني بما يخدم المصالح الأمريكية في المنطقة ويحد من نفوذ القوى الوطنية التي قد تخرج عن السيطرة.
في المقابل، لا يمكن اعتبار اللهجة الأمريكية تجاه قوات الدعم السريع بمثابة معارضة كاملة. فمنذ بداية الحرب، تحركت هذه القوات في ظل نوع من التغاضي الأمريكي الضمني. إلا أن التجاوزات المتزايدة والانتهاكات الممنهجة ضد المدنيين بدأت تثير حرج واشنطن على المستوى الدولي.
ويبدو أن الهدف الأمريكي هنا ليس القضاء على قوات الدعم السريع، بل كبح جماحها والسيطرة عليها، من خلال التلويح بملفات الإرهاب وجرائم الحرب. فواشنطن تسعى إلى تحجيم هذه القوات لتظل ورقة ضغط في يدها، وليست عبئاً أخلاقياً.
هذا النهج المزدوج يكشف عن رغبة واشنطن في إعادة ترتيب الأوضاع الداخلية في السودان، بما يضمن توازن قوى هش، تحتفظ فيه أمريكا بمفاتيح الضغط وتظل اللاعب الأبرز القادر على التدخل في أي وقت. فالهدف هو إضعاف الجيش السوداني سياسياً، وإجباره على قبول الإملاءات الخارجية مقابل رفع الضغوط الدولية، بينما تظل قوات الدعم السريع أداة قابلة للتحكم.
هذه الاستراتيجية تذكر بما فعلته واشنطن في بلدان أخرى، حيث ساهمت في خلق الأزمات ثم نصّبت نفسها وسيطاً. والسودان ليس استثناءً، فالاتهامات المتعلقة بالأسلحة الكيماوية ليست سوى فصل من فصول لعبة أكبر، تتجاوز الاعتبارات الأخلاقية للحرب وتتجه نحو إعادة تعريف السيادة الوطنية بما يتناسب مع مصالح القوى العظمى.
لكن كيف يمكن للسودان أن يرد على هذه المحاولات؟ يتطلب الأمر تبني خطاب سيادي واضح ومتماسك، يجمع بين موقف سياسي حازم، وجاهزية ميدانية، وتكتيك دبلوماسي ذكي. فالرد الأمثل يكمن في المبادرة إلى طلب تحقيق دولي مستقل، تشرف عليه جهات محايدة وغير خاضعة للنفوذ الأمريكي، مثل منظمات حقوقية أفريقية أو آسيوية. كما أن دعوة مراقبين مستقلين لزيارة المناطق المتضررة ولقاء المدنيين وجمع الأدلة على الأرض من شأنه أن يسحب الشرعية من أي اتهامات مسبقة الصنع.
بالإضافة إلى ذلك، يجب على السودان التحرك دبلوماسياً لبناء تحالفات مع قوى كبرى مثل روسيا والصين وتركيا. فكسر العزلة الدولية المفروضة على السودان هو خط الدفاع الأول ضد العقوبات والابتزاز السياسي. كما أن تقوية الجبهة الداخلية من خلال خطاب إعلامي موحد يفضح النفاق الغربي في دعمه الضمني لقوات الدعم السريع، وتوثيق جرائمها ضد المدنيين واستخدامها لأسلحة أجنبية، من شأنه أن يضع العالم أمام مسؤولياته الأخلاقية والقانونية.
باختصار، الرد القوي لا يكون بالصمت أو الانفعال، بل باستراتيجية ذكية تبدأ بكشف النفاق وتنتهي ببناء قوة ردع سياسية وعسكرية تجعل من السودان رقماً صعباً لا ورقة بيد أحد.









