Home / سياسة / نافذة على الأسوار: هل يصبح الصحفي مرآة للحقيقة أم مجرد طلاء لباهت؟

نافذة على الأسوار: هل يصبح الصحفي مرآة للحقيقة أم مجرد طلاء لباهت؟

في زحمة التهاني التي انهالت على هاتف محمد عبدالقادر، رئيس تحرير صحيفة الكرامة، بمناسبة تعيينه مستشاراً صحفياً لرئيس مجلس الوزراء، وجدت نفسي متردداً. لم أشارك في هذا السيل من المباركات، ليس تقليلاً من قيمة المنصب، بل لعلاقة تتجاوز البروتوكولات الرسمية. علاقة صداقة وأخوة متينة، تجعلني أتصل بوالدته وزوجته وأشقائه قبل أن أفكر حتى في الاتصال به شخصياً.

أتذكر تماماً، قبل اندلاع الحرب بأيام قليلة، اتصالي به في وقت متأخر من الليل، لأدعوه لمشاركتي الإفطار مع جنودنا البواسل في الفشقة المحررة. لم يتردد لحظة، بل لبى النداء بكل تفانٍ وإخلاص. وبعد الحرب، عندما أطلق صحيفته “الكرامة”، كنت أول من لبى دعوته للكتابة دعماً لها، تقديراً لجهوده وعزيمته التي لا تلين.

لكن هذه العلاقة الوطيدة هي تحديداً ما يمنعني من التهليل لهذا التعيين. محمد، الصحفي الموهوب والمتفوق، خريج الدفعة الأولى، وصاحب الخبرة الواسعة في صياغة الأخبار والتقارير والتحقيقات، سيجد نفسه حبيساً لجدران مجلس الوزراء. أخشى أن تتحول موهبته إلى مجرد “مكياج” لإخفاء عيوب حكومة تعاني من التخبط والعجز.

يبدو أنهم استعانوا به طمعاً في علاقاته القوية في الوسط الصحفي، وشعبيته الكبيرة بين الزملاء، أملاً في تخفيف حدة الانتقادات وتلطيف الأجواء المشحونة. لكن هل يستطيع محمد أن يصنع محتوى من العدم؟ هل يمكن لبيانات صحفية براقة وخطط إعلامية محكمة أن تخفي حقيقة رئيس وزراء يعيش في عالم آخر، بلا رؤية ولا بوصلة؟ رئيس وزراء عاجز عن تنفيذ أبسط القرارات، وما زال يدير شؤون البلاد من بورتسودان بعد مرور أشهر؟

بصراحة، لم تشهد البلاد مسؤولاً بهذا القدر من الإخفاق. أخشى يا محمد أن تجد نفسك كصحفي لامع في “الواشنطن بوست”، مهمشاً في زاوية مظلمة بصحيفة صفراء في دولة من العالم الثالث. من الخارج، أتمنى لك كل التوفيق والنجاح، وأن تحافظ على نقاء سريرتك، وألا تجرفك الرمال المتحركة التي تحيط بك.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *