تثير زيارة الفريق أول محمد حمدان دقلو “حميدتي” إلى كامبالا تساؤلات حول الغطاء الدولي والإقليمي الذي يعمل من خلاله، ومدى قدرته على إعادة تموضعه في المعادلة السياسية الإفريقية رغم الاتهامات الدولية بارتكاب جرائم حرب. تكمن أهمية هذه الزيارة في كونها جزءاً من تكتيك دبلوماسي إقليمي يهدف إلى حماية حميدتي من الضغوط الدولية، حيث تسعى دولة الإمارات إلى تحميل الدول الإفريقية المضيفة المسؤولية الأخلاقية والسياسية لاستقباله، فيما يبدو أن التحرك يتم تحت ضوء أخضر من واشنطن وتل أبيب بهدف استمرار تواجد حميدتي كعامل ضغط في المشهد السوداني والعربي.
من وجهة نظر دولية، يبدو أن استقبال العواصم الإفريقية لحميدتي يخضع لمصالح إقليمية معقدة تتجاوز القضايا الأخلاقية. ورغم أن الاتحاد الإفريقي قد أصدر قرارات تدين الانقلابات العسكرية وتؤكد على شرعية التغيير الدستوري، إلا أن موجة الاستقبال لحميدتي تتعارض مع هذه الاتجاهات، مما يعكس تبايناً بين المبادئ القانونية والواقع السياسي. وراء هذا المنطق، تبرز مصالح اقتصادية تربط دول المنطقة باستثمارات صندوق أبوظبي، مما يدفع هذه الدول إلى إعطاء الأولوية للمصالح الحيوية على المبادئ النظرية.
في المقابل، تؤكد الأصوات غير الرسمية والمنابر الأكاديمية في القارة أن هناك فجوة بين الدبلوماسية الرسمية والضمير الشعبي. يرى النقاد أن صورة حميدتي تتشابه مع صورة المتهمين بالإبادة الجماعية، وأن محاولاته لتوظيف الرموز الثقافية في زيارة عنتيبي تعتبر استهانة بالذاكرة الجمعية الإفريقية. كما تمت مقارنة جرائمه المزعومة في دارفور بجرائم ما حدث في رواندا، مما يضع حميدتي في موقف الدفاع لا المتهم فيه.
أما خطاب حميدتي فتم تحليله من زوايا متعددة؛ ففي المحلي، يحاول إقناع شعبه باقتلاع الإسلاميين، وهو مطلب يفتقر للمصداقية نظراً لانتماء قطاعات من هذه الجماعيات إلى صفوف قواته. أما في النطاق الإقليمي، فقد وجدت بعض السمعه لهذا الجزء من خطابه الذي يتحدث عن رؤية أوغندية لحل الأزمة، في حين يظل الاعتماد على الدعم الأمريكي هو المحرك الأساسي لخطاباته الدولية.
يبقى السؤال الجوهري: هل يمكن لحميدتي تحويل صورته من قائد ميليشيا متهم إلى رجل دولة محتمل؟ الإجابة تعتمد على مدى ثباته في الأراضي التي يسيطر عليها وعلى استمرار الضغط الدولي. وتشير التحليلات إلى أن تصريحاته المتعلقة بالتنازل عن السلطة تبدو ناقصة المصداقية نظراً لترتيباته العسكرية والسياسية السابقة التي تهدف دائماً لترسيخ مركزه.
في الختام، يؤدي ظهور حميدتي وطبيعته الدبلوماسية إلى تعقيد الموقف السوداني، حيث تمر الدبلوماسية السودانية بفوضى داخلية بين من يطالب بالمقاطعة ومن يرى أن المشاركة ضرورية للتفاوض. وترتبط هذه الزيارة مباشرة بمستقبل هدنة رمضان، حيث يبدو أن قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2724 قد يفشل في التنفيذ بسبب غياب الإرادة السياسية الدولية الحقيقية، إضافة إلى التجاهل المتكرر للتحذيرات الدولية بشأن استعدادات قوات الدعم السريع لاجتياح المدن السودانية.









