في دهاليز السياسة السودانية المعقدة، يوجد تمييز واضح بين “رجل الدولة” الذي تقوده المبادئ ولا تقبل التفاوض، وبين “الموظف في الدولة” الذي تقوده الكراسي التي لا تدوم. مسيرة الفريق أول ركن شمس الدين كباشي تُظهر شخصية عسكرية وسياسية صاغت حضورها من خلال الانحياز الكامل لـ “القرار الوطني المستقل”، بعيداً عن المزايدات أو إغراءات التوازنات الدولية.
سجلت مواقف كباشي تجاه التدخلات الخارجية في محاضر التاريخ، وتجلى ذلك بوضوح في موقفه الحاسم من “مبادرة الإمارات” بشأن منطقة الفشقة عام 2020م؛ عندما أعلن رفضها من قلب الفشقة نفسها، واصفاً إياها بأنها محاولة لتمييع الحق السيادي السوداني في أراض استعادها الجيش بعرق ودماء جنوده. كان رفضه نابعاً من إيمان عميق بأن الأرض والهوية والتضحيات لا تخضع للمقايضات السياسية.
استمرت هذه الروح الوطنية حتى في تفاعله مع “الاتفاق الإطاري”، الذي رأى فيه الكباشي مشروعاً قد يؤدي إلى ارتهان الإرادة الوطنية. ولعل القضية الجوهرية التي توثق بعد نظره هي “قضية دمج الدعم السريع”. في الوقت الذي كان فيه الاتفاق الإطاري يمنح هذه العملية مدى زمنياً فضفاضاً يصل إلى عشر سنوات، بما يحمله ذلك من مخاطر وجودية على وحدة القرار العسكري، كان الكباشي هو الصوت الأكثر صرامة وواقعية؛ حيث قدم مقترحاً يقضي بإتمام عملية الدمج خلال ستة أشهر فقط من تاريخ ورشة الإصلاح الأمني والعسكري. لقد كان يدرك أن المماطلة في هذا الملف هي فتيل لإشعال أزمات مستقبلية، وهو ما أثبتته الأيام لاحقاً.
وحتى في اللحظات التي تطلبت مرونة دبلوماسية، كما حدث في “لقاء المنامة” الذي جرى بترتيب دولة خليجية جارة، لم يتحرك بمفرده أو بدافع طموحات شخصية؛ بل ذهب كباشي على رأس وفد رسمي برفقة ضباط برتب رفيعة، بتكليف واضح وتنسيق كامل مع رئيس مجلس السيادة؛ ليثبت انفتاح الدولة على الحوار.
بعيداً عن الصراعات السياسية، تبرز “نظافة اليد” كسمة ملازمة لمسيرة كباشي العسكرية والمدنية. ففي بيئة لوثها الفساد، ظل الرجل عصياً على الاستقطاب المالي أو الاستغلال السلطوي. ولم يكن هذا السلوك شخصياً فحسب، بل تحول إلى “ثقافة مؤسسية” داخل طاقم مكتبه، الذي عرف بين السودانيين بالانضباط والترفع عن الصغائر.
ويبرز هنا اسم مدير مكتبه، مولانا، سيادة اللواء حقوقي “قرشي”، هذا الرجل، بخلفيته القانونية الرصينة وسمته المتدين الصارم، استطاع أن يقدم نموذجاً مبهراً في









