Home / سياسة / رسالة من الخرطوم إلى تيفاني: قهوة مثلجة في بروكلين تكشف المستور

رسالة من الخرطوم إلى تيفاني: قهوة مثلجة في بروكلين تكشف المستور

عزيزتي تيفاني،

أكتب إليكِ من القاهرة، بعد رحلة إلى الخرطوم والجزيرة. عدتُ من السودان، حيث الفوضى والبرد يلفّان مدينة نابضة بالحياة. الضجة هناك تتصاعد، خاصة في مقرن النيلين، حيث رائحة العشب الطري لا تزال تفوح من جنائن توتي. الأماكن القديمة، من فتيح للخور للمغالق، تقاوم ببسالة، وشبح دم الشهيد “ود راشد” يلاحقنا تحت الجسر، إلى جانب الفدائي “محمد الضو” وخيط يذكرنا بمغامرة “لقمان بابكر” والعديد من الشباب الذين قد لا تعرفينهم، لكننا نحترم تضحياتهم ونحسبهم شهداء.

تلك يا تيفاني، هي قصة الذود عن الأرض والعرض، قصة الحرب التي نُقدّر لنا أن نرويها. نكتب لكِ في “وول ستريت جورنال”، أملاً في أن يعرف “بابا ترامب” حقيقة ما يجري في بلادنا. لا نريد أكثر من ذلك.

هنا، تمطر السماء دماً كدموع نساء الفاشر، ضحايا القهر الظبياني. البيوت تتنفس تحت وطأة الدماء لساعات، ثم تختفي اليابسة، كاختفاء المفقودين في ليالي هجوم الجنجويد على البيوت الآمنة. لا أحد يعلم أين هنَّ النساء الآن، أتحت التراب أم فوقه؟ أي هزيع أخير قضينه بالدموع والسهر قبل أن ينبلج النهار الاستوائي؟

هل تهمك نهاراتنا يا تيفاني؟ هل تهتمين بقارتنا المنتهكة؟ ربما لا. زوجك مايكل ربما لا يعرف الكثير عن والده بولس، وأنتِ، يا أميرة الموضة والموسيقى، لم تُقدري مصائرنا الغامضة. وكيلكم في النصف الآخر من الكوكب أشعل هذه الحرائق لنهب الذهب، ودمر المتاحف والجامعات، وسرق الآثار النادرة، بما في ذلك تيجان عروش الكنداكات، وأجبرنا على النزوح.

صدقيني يا صغيرتي المدللة، كنت أتمنى أن أقدم لك نفسي بصورة أخرى، وأهديك أغنية “فرحي خلق الله واتني واستني يا شبه القمرا” بينما ترقصين بخفة، لكنني لست مولهاً. كل ما أحتاجه هو موعد قصير لاحتساء قهوة مثلجة في بروكلين دفيثيون، لنثرثر حتى الفجر. أنا صديق أفريقي يريد أن ينقل لكِ رسالة حزينة من أهله ويعود إلى وطنه. يا للسعادة والأسى!

أنا بخير تقريباً، وموقن بالنصر، وينقصني لم شمل الأهل في العيد. ربما لا تعرفين أن الهم في عيونهم جبال ومقادير وأجيال، أو كما قال الفيتوري “أما الحُزن الأكبر ليس يُقال”.

أنتِ أول شخص أكتب إليه ويتجاهلني بشكل عنيف. بعد رحيل ابن البادية وأبو آمنة حامد، عاش لحن ود الحاوي، وقد سال من شعرها وشعرك الذهب، حتى أن صوت ابن البادية وهو يتحطم عند الحدود المطلقة للصوت “فارهٌ.. مترفٌ.. لدنْ.. فننٌ.. لا.. ولا فننْ”. يا إلهي، كيف حدث ذلك اللحن في دولة ستة وخمسين؟

أعترف بإعجابي بوالدك الذي يشبه قلقي، يشبه المرحلة. لا أعرف ماذا نسمي هذه الحقبة المجنونة، نهاية الكون، بداية الحياة؟ كيف اعتلى “بابا ترامب” ونسيبك اللبناني مسعد بولص مزاج الشارع الأمريكي المضطرب؟ رجل بملامح مضحكة، يمشي كالبطة، مجرد طفل مشاغب يختبئ في رداء ملياردير عجوز. والحياة عنده صفقة، مثل سلام السودان، الذي رمى فيه الأمير محمد بن سلمان بكل ثقل المملكة.

نأمل أن ينتهي هذا الكابوس قريباً، وأن نراكِ تسرجين خيل الأنصار في ميدان الخليفة، أو تسبحين في النيل الأزرق، أو ساحل البحر الأحمر، بقليل من العري، مثل حوريات الأحاجي القديمة، وأن يعم السلام والرخاء. لا أحد يحب الحرب، وهي، إن كان بكِ جهل فقد أشعلها شخص قريب منكِ، ومولها شخص قريب منا، كما قال ليوناردو دي كابريو: “نحن لا نمول الحروب، ولكن نخلق الظروف التي تجعلها تستمر”. هذا ما حدث يا تيفاني، والسلام.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *