تسارعت حركة النزوح مع مرور ساعات النهار، عكساً لحالة الذعر التي خيمت سابقاً على السكان، في امتداد مباشر لما وصف بـ”الأربعاء الأسود” الذي عاشته العاصمة اللبنانية، حيث أمضى اللبنانيون ليلة مثقلة بالخوف تحت هدير الطائرات المسيرة التي لم تغادر سماء المدينة.
وشهدت بيروت يوم الأربعاء غارات عنيفة وغير مسبوقة منذ سنوات، نقلت موجة التصعيد من الأطراف إلى قلب العاصمة، وأحدثت ردّ فعل ذهني عكست ذكريات اجتياح عام 1982، حين لم تعد المدينة ضمن مناطق آمنة. إن استمرار المراقبة الجوية والأصوات المتتالية للغارات قدّمت صدمة كبيرة، حيث اختلطت حركة السير بالفوضى في الشوارع، مما جعل بيروت تبدو مدينة تحاول استيعاب تصعيد لم يكن يتوقعه بهذا الشكل.
في سياق المشهد، أظهرت شهادات من سكان المنطقة تزايد التوتر. قالت سهام، وهي أم لثلاثة أطفال، إن مبانيها اهتزت من حولها، وأنها لم تتمكن من تمييز اتجاه الغارات بسبب شدة الأصوات. وفي كورنيش المزرعة، وصف أحد السكان رؤية الدخان يتصاعد من مبنى قرب محمصة الرفاعي، معتبراً أن الحالة عبارة عن هلع غير مسبوق. ووصف سائق أجرة من المصيطبة مشهد السيارات المكتظة التي تحولت فجأة إلى فوضى، حيث ترك الناس سياراتهم وركضوا بحثاً عن مأوى. كما أكدت طالبة من عين المريسة سماع أكثر من غارة متتالية واهتزاز المدينة بأكملها.
وسط هذا المشهد، عادت قصص الفقد لتفتح جراحاً قديمة. تذكر قصة حمد العطار، الذي استشهد في انفجار مرفأ بيروت عام 2020، وأن ابنته لا تزال تتساءل عن مكان أبيها، لتتواصل هذه القصة مع خبر مقتل زوجته “علا” اليوم. وتحولت البنتان إلى يتيمات، ما يرسخ شعوراً بأن اللبنانيين يعيشون سلسلة مآس متواصلة، حيث يعيد كل حدث جديد ذاكرة جماعية مثقلة بالخسائر.
وفي خضم الوضع الإنساني المضغوط، شهدت بعض الأحياء نزوحاً، بينما تعرضت المستشفيات للاكتظاظ. ظهرت صورة القلق واضحة في الشوارع، حيث تعالت أصوات العائلات التي تغادر عاجلة أو تترقب، فيما يطرح سؤال واحد يتكرر: ماذا بعد؟ لا يقتصر الخوف على لحظات الغارات، بل يتجه إلى ما قد يحمله المستقبل، خصوصاً في ظل حديث عن احتمال تصعيد أوسع.
ورأت أوساط سياسية أن التطورات تشير إلى مرحلة تصعيد قد تكون أكثر حدة. وأشار محلل سياسي إلى أن التركيز على الساحة اللبنانية قد يزداد في حال تراجعت المواجهة مع إيران، معتبراً أن لبنان يدفع ثمن الانخراط في الصراعات الإقليمية. وقال نائب سابق إن إيران قد تحاول أخذ نفس بعد الهدنة، لكن الوضع يبدو مستقراً بشكل غير قابل للتسوية، معتبراً أن إسرائيل ستستمر في تعميق الجرح في لبنان. وأضاف أن تصريحات أميركية حديثة تشير إلى دخول لبنان في مرحلة دامية جديدة لتغيير ترتيبات المنطقة.









