بدأت رحلة مدنية تدريجياً في الانخفاض فوق أهرامات البجراوية وضفاف نهر النيل، حيث بدأت معالم الخرطوم تظهر في الأفق. أعلن القبطان عبر الميكروفون بقليل من الوقت عن هبوط في مطار الخرطوم الدولي. من الأعلى، ظهرت المدينة جميلة لكنها هشة، مع تآكل آثار الحرب على المباني العالية، وتقلص المظاهر الحيوية مقارنة بما كانت عليه قبل ثلاث سنوات من النزاع، رغم بداية عودة تدريجية للحياة.
وصل كيري جاكوبسون، مدير المدرسة الأمريكية بالخرطوم، على متن هذه الرحلة بعد عامين من إدارة المدرسة من مصر بسبب إغلاقها. أثار إعلان الهبوط مشاعر متضاربة لديه، تجلت في ارتياح، عدم تصديق، وتصميم هادئ. لم تعد الخرطوم منطقة عمليات نشطة، لكن ثقل الحرب لا يزال حاضراً في كل مكان.
وقف جاكوبسون أمام الحرم المدرسي الذي أُجبر على إغلاقه، شاعراً مزيجاً من الفرح والحزن؛ فالفصول الدراسية التي كانت تضج بالأصوات أصبحت فارغة، ومعلمون وطلاب رحلوا، وانتشر الصمت المزعج. ومع ذلك، كان هذا الغياب هو السبب الدقيق لعودته، حيث تسعى لإعادة افتتاح المدرسة التي خدمت السودانيين والأجانب لـ 50 عاماً.
أكد جاكوبسون أن “الأمر ليس سهلاً، لكن التعليم عالي الجودة ضروري لإعادة بناء الخرطوم والسودان”، موضحاً أن المهمة المقبلة تتطلب موارد وصموداً في مواجهة التمويل المحدود والتضرر في البنية التحتية. ورأى أن الانطباع الأول للمدينة كان ثقيلاً مليئاً بالغضب والحزن تجاه التدمير، لكنه بدأ يلاحظ “الأبطال”؛ كمتجر صغير مفتوح، أو شجرة لا تزال تثمر، أو جيران يعيدون ترميم بيوتهم.
أرشدهم أربعة من الموظفين الذين بقوا خلال الحرب إلى الأضرار التي تعرضت لها المدرسة، من رصاص ومتفجرات وحرق للأسلاك، لكنهم أشاروا إلى تقدم في الاستعداد للعودة؛ حيث تم تركيب طاقة شمسية ونظام لضخ المياه وتنظيف الملاعب، مع تخليص الفصول من الغبار والرماد. قالوا إنهم مستعدون لاستقبال الطلاب بحلول أغسطس.
يرى جاكوبسون أن التعليم سيلعب دوراً محورياً في تعافي البلاد، وأن جيلاً متعلماً يمكنه بناء الأنظمة الداعمة للسلام والمستقبل. ومن خلال برامج تدريب المعلمين والأنشطة المجتمعية، تسعى المدرسة لدعم إعادة بناء الخرطوم. ينتظر جاكوبسون عودته إلى القاهرة مؤقتاً ولكنه مصمم على تحقيق هدفه في إعادة فتح المدرسة واستعادة الإحساس بالحياة في المدينة.









