لا يمكن إنكار دور شباب التيار الإسلامي في صفحات تاريخ الكرامة، حيث ساهمت تضحياتهم في تثبيت الدولة في لحظاتها الأكثر حرجة، وإن كانت السياسة في جوهرها فن إدارة الممكن وليست “نوستالجيا”. النظام الحاكم القائم هو، موضوعياً، نتاج لحظة 11 أبريل 2019، حين انحاز الجيش إلى ثورة ديسمبر، وهو حقيقة سياسية ينبني عليها لا القفز فوقها. قراءة مواقف الرئيس “البرهان” يجب أن تنطلق من كونه معبّراً عن توازنات مرحلة مضطربة، وليس عن مصالح تنظيم بعينه. أما الثابت حتى اللحظة، فإن باب المصالحة مع الدعم السريع وآل دقلو قد أغلق، وأن صفحة التحالف مع حاضنتهم السياسية قد طويت. إذا أراد الرئيس “البرهان” أن يكتب اسمه في سجل التاريخ بوصفه زعيماً ومُخلّصاً وليس رئيس مرحلة، فإن الطريق يمر عبر القرار الصعب، وهو الشروع فوراً في ترتيبات أمنية شاملة لكل القوى التي ساندت الجيش في معركة الكرامة، وتنفيذ “اتفاق جوبا” نصاً وروحاً، ودمج الفصائل كافة داخل المؤسسة العسكرية الشرعية التي لا يعلو فوقها سلاح. تجربة القائد “مالك عقار” التي شهدت دمج عشرين ألف مقاتل أثبتت أن الإرادة السياسية هي الفيصل، وأن ما يصور مستحيلاً هو قرار مؤجل. نجاح الرئيس في ذلك يعني إغلاق الباب أمام تعدد الجيوش، وقطع الطريق على إعادة إنتاج المليشيات، وكتابة بداية حياة جديدة للسودان خالية من المهددات. السودان اليوم أمام لحظة تأسيس ثانية، إما أن يتشبع بعقل الدولة التي تتسع للجميع ولا تخضع لأحد، أو يترك نهباً لذاكرة مثقلة بالمرارات. بطولات الميدان ينبغي أن تستكمل في السياسة، لا أن تستثمر في المزايدة، والدولة لا تبنى بالنوستالجيا.
أين يقف البرهان.. بين ديسمبر و يونيو؟









