Home / سياسة / عندما تحولت الوساطة إلى وصاية: تفاصيل “الخطة ب” التي أشعلت غضب البرهان

عندما تحولت الوساطة إلى وصاية: تفاصيل “الخطة ب” التي أشعلت غضب البرهان

في خطابه الأخير، فاجأ الرئيس السوداني عبد الفتاح البرهان المراقبين بكشفه عن تفاصيل مبادرة وصفها بـ”القميئة”، قدمتها ما يُعرف بـ”الرباعية الدولية” لحل الأزمة السودانية. لم يكن الأمر مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل وصل إلى حد الحديث عن “تفكيك الجيش وحل الأجهزة الأمنية”، بحسب تعبير الرئيس، وهو ما أثار تساؤلات حول طبيعة الدور الذي تلعبه هذه المجموعة، ومدى تأثير أجندة بعض الأطراف الإقليمية عليها.

الغموض الذي اكتنف هذه المبادرة بدأ يتضح تدريجياً بعد تسريب أجزاء منها، خاصة تلك التي كشف عنها الصحفي مزمل أبو القاسم. الوثيقة، التي يُزعم أنها من إعداد مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، لم تكن مجرد مقترح سياسي، بل “خارطة طريق” تفصيلية لإعادة تشكيل الدولة السودانية بعد أي تسوية سياسية محتملة. اللافت في الأمر هو أن الوثيقة تحدد مسبقاً مخرجات الحوار، وتضع تصوراً كاملاً لإعادة هيكلة الجيش والأجهزة الأمنية، مع دور محوري ومباشر للرباعية الدولية.

بعيداً عن لغة “التسهيل” أو “الوساطة” المعهودة في مثل هذه الحالات، بدت الوثيقة أقرب إلى “أوامر تنفيذية”، وكأنها صادرة عن جهة تتأهب لتولي إدارة شؤون دولة تعاني من صعوبات جمة. هذا الأمر أثار حفيظة الكثيرين، واعتبروه مساساً بالسيادة الوطنية، ومحاولة لفرض “وصاية” دولية على السودان، على غرار تجارب مماثلة شهدتها دول أخرى بعد الحروب.

وبحسب التسريبات، تتضمن الوثيقة بنوداً تنص على إطلاق “عملية يقودها السودانيون” لإنشاء آليات للعدالة والمساءلة، لكنها في الوقت نفسه تفرض تغييرات جذرية على بنية الدولة، أبرزها إعادة هيكلة الجيش ليصبح قوة موحدة ومهنية، تخضع للسلطة المدنية، وتكون خالية من أي انتماءات سياسية. كما تتحدث عن تفكيك الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، وإعادة هيكلة قطاع الأمن من خلال برامج لنزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج، وهو ما يشمل الجماعات المسلحة والقوات غير النظامية.

الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، بل امتد ليشمل إنشاء لجنة دولية لتنسيق وقف إطلاق النار، تحت إشراف “الشركاء الدوليين”، مع تعيين ممثل عن الرباعية لتوجيه أعمالها ومراقبة التزامات الأطراف. هذا التدخل المباشر أثار مخاوف من تحول دور الرباعية من مجرد وسيط إلى وصي على السودان، وهو ما تجلى أيضاً في بنود أخرى تتعلق بضمان العودة الآمنة للنازحين واللاجئين، وتقديم الحماية والتعويضات الأولية تحت إشراف دولي مكثف.

البعض يرى أن هذه الوثيقة تتجاوز في خطورتها “الاتفاق الإطاري” الذي سبق أن أثار جدلاً واسعاً. فبينما يُنظر إلى الاتفاق الإطاري على أنه شرارة الحرب الحالية، فإن هذه الوثيقة قد تضع السودان تحت وصاية كاملة للرباعية، التي يُعتقد أنها كانت تعمل بأجندة إماراتية في المقام الأول، قبل أن تتدخل السعودية لإعادة ترتيب الأوراق.

مصادر دبلوماسية أكدت أن السعودية أبدت تحفظات شديدة على العديد من بنود الوثيقة، وأن القاهرة أبلغت أيضاً تحفظات مماثلة، خشية أن يؤدي أي تفكيك للجيش السوداني إلى حرب لا تنتهي على حدودها الجنوبية. الغضب الذي ظهر على الرئيس البرهان يعكس رفضاً قاطعاً لهذا التدخل السافر في الشؤون الداخلية للبلاد، وتأكيداً على أن الجيش السوداني ليس مجرد “ميليشيا” تحتاج إلى إعادة تأهيل، بل هو مؤسسة وطنية عريقة لا يمكن المساس بها.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *