Home / سياسة / رسالة إلى تيفاني.. حين يمطر الداخل دماً وقهراً

رسالة إلى تيفاني.. حين يمطر الداخل دماً وقهراً

القاهرة – عزمي عبدالرزاق:

عزيزتي تيفاني، أكتب إليكِ من القاهرة، هنا، حيث يختلط صخب الحياة بمرارة الأخبار القادمة من السودان. عدتُ لتوي من رحلة قصيرة إلى الخرطوم والجزيرة، وهناك، عند ملتقى النيلين، ما زالت رائحة العشب تداعب الذاكرة، بينما الأماكن العتيقة، من «فتيح للخور للمغالق» كما نقول نحن، تصارع للبقاء، تحمل ندوباً لا تُمحى، مثل دم الشهيد «ود راشد» الذي التصق بالجسر، أو ذكرى الفدائي «محمد الضو». ربما لا تعرفين أسماءهم، لكنهم أبطال قاوموا ببسالة، وقدموا أرواحهم فداءً للوطن.

تلك، يا تيفاني، حكاية الدفاع عن الأرض والعرض، قصة حرب فرضت علينا، وها نحن نحاول أن ننقلها إلى العالم، أن نكتب عنها في صحيفة مثل «وول ستريت جورنال»، أملاً في أن يصل صوتنا إلى «بابا ترامب»، وأن يعرف حقيقة ما يجري في بلادنا.

الوضع مأساوي، فالأرض تمطر دماً، كدموع نساء الفاشر، ضحايا القهر. البيوت تتنفس تحت وطأة الدماء لساعات طويلة، ثم تختفي، تماماً كما اختفى المفقودون في ليالي هجوم الجنجويد. نساء كثيرات لا نعرف مصيرهن، أين هن الآن؟ تحت التراب أم فوقه؟ لا أحد يعلم. ليالينا طويلة، مليئة بالدموع والسهر والخوف، تسبق فجراً استوائياً يحمل معه فصولاً مغبرة وحارة.

هل تهمك تفاصيل حياتنا يا تيفاني؟ هل تهتمين بقارتنا البعيدة، ببلادنا المنتهكة؟ ربما لا. ربما زوجك مايكل لا يعرف الكثير عن جده بولس، ولا أنتِ، الأميرة الصغيرة، عاشقة الموضة والموسيقى. ولكن كان عليكِ أن تهتمي بمصائرنا، أن تعرفي كيف أشعل وكيلكم في النصف الآخر من الكوكب هذه الحرب، تلك الحرائق، بهدف سرقة الذهب من أرضنا. دمروا المتاحف والجامعات، سرقوا الآثار النادرة، حتى تيجان عروش الكنداكات لم تسلم. وأجبرونا على النزوح بعيداً عن ديارنا.

بصراحة، يا ابنة مارلا مابلز المدللة، كنت أتمنى لو أستطيع أن أقدم لك نفسي بصورة مختلفة، أن أهديك أغنية «فرحي خلق الله واتني واستني يا شبه القمرا» بينما ترقصين بخفة ورشاقة. ولكنني لست مولهاً، كل ما أريده هو لقاء قصير، فنجان قهوة مثلجة في بروكلين دفيثيون، حيث يمكننا أن نتبادل الحديث حتى الفجر. أنا صديق أفريقي يريد أن ينقل لكِ رسالة حزينة من أهله، ثم يعود إلى وطنه.

أنا بخير تقريباً، ولا ينقصني سوى العودة إلى الوطن، ولم شمل الأهل في العيد. ربما لا تعرفين كيف أن الهم في عيونهم جبال ومقادير وأجيال، أو كما قال الفيتوري: «أما الحُزن الأكبر ليس يُقال».

أنتِ أول شخص أكتب إليه ويتجاهلني باستمرار، بشكل عنيف. بعد رحيل ابن البادية وقبله أبو آمنة حامد، ما زال لحن ود الحاوي يتردد في أذني، وكأن الأساطير تعود للحياة. كم كان صوت ابن البادية مؤثراً وهو يتحطم عند حدود الكلمات: «فارهٌ.. مترفٌ.. لدنْ.. فننٌ.. لا.. ولا فننْ». يا إلهي، كيف ظهر مثل هذا اللحن في بلد الاستقلال؟

ولا أخفي إعجابي بوالدك، الذي يشبه قلقي المستمر، يشبه هذه المرحلة. لا أعرف كيف يمكننا تسمية هذه الحقبة المجنونة، هل هي نهاية الكون أم بداية الحياة؟ ولا أفهم كيف استطاع «بابا ترامب»، ونسيبك اللبناني مسعد بولص، أن يستغلا مزاج الشارع الأمريكي المضطرب، بعد أن كانا خارج اللعبة تماماً. رجل بملامح مضحكة، يمشي كالبطة، طفل مشاغب يختبئ في رداء ملياردير عجوز. والحياة عنده كلها، بسلامها وحروبها، بخساراتها وانتصاراتها، مجرد صفقة، مثل سلام السودان، الذي رمى فيه الأمير محمد بن سلمان بكل ثقل المملكة.

أتمنى أن ينتهي هذا الكابوس قريباً، وأن نراكِ، بنفس البهاء والجلال، تسرجين خيل الأنصار في ميدان الخليفة، أو تسبحين في النيل الأزرق، أو على شواطئ البحر الأحمر الصافية، مثل حوريات الأحاجي القديمة. وأن يعم السلام والرخاء. فلا أحد يحب الحرب، وهي، إن كنتِ تجهلين، قد أشعلها شخص قريب منكِ، ومولها شخص قريب منا، كما قال نجمك المفضل ليوناردو دي كابريو في فيلم الماس والدم: «نحن لا نمول الحروب، ولكن نخلق الظروف التي تجعلها تستمر». هذا ما حدث يا تيفاني. والسلام.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *