محللون يرون أن العملية الأخيرة التي نفذتها القوات المسلحة الليبية تعكس قدرة البلاد على التعامل مع الحوادث الطارئة، خاصة مع تعزيز كفاءتها القتالية والتسليحية مؤخراً، إلا أنها تؤكد أيضاً التحديات الكبيرة التي تواجه الأمن الحدودي في جنوب ليبيا، والمساعي الراهنة لضمان تأمينها ومواجهة أي تهديدات مستقبلية.
كانت المنطقة الجنوبية قد عادت إلى واجهة التوترات الأمنية عقب الهجوم الذي استهدف معبر التوم الحدودي وعدداً من النقاط العسكرية في الشريط الجنوبي الغربي المحاذي لدولة النيجر، أواخر يناير الماضي.
أوضح الجيش الليبي في بيان له أن العملية التي جرى التخطيط لها بعناية فائقة أسفرت عن تحرير جميع المختطفين وإعادتهم سالمين إلى وحداتهم، ما يعكس التزام الجيش بعدم التخلي عن أي من منتسبيه تحت أي ظرف. كما وصف الجيش العملية بأنها عكست مستوى عالياً من الانضباط والاحترافية والجاهزية الميدانية.
جاءت هذه العملية ضمن خطة أوسع لتعزيز السيطرة على الحدود الجنوبية، من خلال تعزيز نقاط التفتيش وتوسيع نطاق الدوريات العسكرية ومنع أي تحركات مشبوهة أو تهريب أسلحة عبر المناطق الصحراوية. وأشار الجيش إلى أنه نفذ العملية بعد متابعة استخباراتية دقيقة ورصد ميداني مكثف لتحركات العناصر الإرهابية، حيث خاضت القوات اشتباكات عنيفة في عدة مواقع تتمركز بها تلك الجماعات، أسفرت عن القضاء على عدد من الإرهابيين وأسر آخرين، كما صادرت كميات من الأسلحة والذخائر والمعدات العسكرية التي كانت بحوزة تلك العصابات.
يُعد معبر التوم جزءاً من المنطقة المعروفة شعبياً باسم “مثلث السلفادور” أو “طريق الموت” نظراً لتداخله الحدودي مع عدة دول إفريقية تعاني الأزمات والانفلات. تبلغ الحدود الليبية مع النيجر نحو 354 كم، مع تشاد جنوباً بطول يقارب 1055 كم، والحدود الغربية الجنوبية مع الجزائر بطول يُقدَّر بنحو 982 كم، والحدود الجنوبية الشرقية مع دولة السودان بطول 380 كم.
وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع تعزيز الأمن الحدودي، بعدما وقع الجيش الليبي بروتوكولاً عسكرياً مع تشاد ينظم التنسيق بين القوات على الحدود المشتركة، حيث تم وضع آليات دقيقة لتبادل المعلومات الاستخباراتية وتنسيق الحركة البرية والجوية، بهدف سد الثغرات الأمنية ومنع أي تحركات مسلحة أو تهريب عبر المناطق الحدودية الوعرة. يمثل هذا التنسيق الميداني امتداداً لهذه الخطوات السابقة التي شملت زيارات رسمية واجتماعات عليا بين قيادات البلدين لتعزيز السيطرة على المناطق الحدودية وتفعيل الدوريات المشتركة بما يضمن الاستقرار الأمني ويحد من نفوذ المجموعات المتمردة العابرة للحدود.
من جانب آخر، قررت الحكومة التشادية إغلاق الحدود المشتركة مع السودان، في ظل استمرار الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ أبريل 2023.
من ناحية تحليلية، اعتبر المحلل السياسي الليبي محمد الزبيدي أن العملية التي نفذتها القوات المسلحة الليبية تعكس قدرة عالية على ضبط الحدود والتعامل مع الجماعات الخارجة عن القانون، بعد أن تعرضت المنطقة الحدودية لمعبر “التوم” لهجوم قبل أيام أسفر عن مقتل وخطف عدد من العسكريين. وأوضح الزبيدي أن الجيش الليبي تعامل في مناطق وعرة تشمل جبالًا وأودية عميقة، وتمكن من تحرير الجنود المختطفين وضبط متورطين في الهجوم على معبر “التوم” وعدد من المنافذ الأخرى، مشيراً إلى أن هذه العملية تمثل ضربة قاصمة للجماعات المتطرفة التي تسعى لزعزعة الأمن، وأن نجاحها يظهر قدرة القوات المسلحة على تنفيذ عمليات نوعية داخل الأراضي الحدودية للدول المجاورة. وشدد على أن الجيش الليبي يمضي في خطوات حثيثة لتعزيز قدراته على ضبط الحدود من خلال تكثيف الدوريات البرية والجوية، وإحكام الرقابة على المعابر الاستراتيجية، وتفعيل التنسيق الاستخباراتي مع دول الجوار.
من النيجر، قال الكاتب والباحث في العلاقات الدولية إبراهيم جيرو إن الوضع على الحدود بين ليبيا والنيجر يظل مقلقاً، نظراً لأنها تقع في قلب الصحراء الشاسعة وصعبة السيطرة، خصوصاً في ظل الأزمات الأمنية التي تواجهها بعض الدول الإفريقية. وأوضح أن هذه الظروف الصعبة توفر فرصة للجماعات المسلحة لتمرير أسلحتها ومعداتها بسهولة، مستغلة المنافذ الواسعة لتعزيز نفوذها، مشيراً إلى أن الوضع الحالي يشابه ما حدث تاريخياً منذ 2011، عندما عبر مقاتلون من شمال مالي إلى ليبيا بأسلحتهم عبر هذه المناطق. ولفت إلى أن الإجراءات المتخذة على الحدود التشادية مع السودان، مثل إغلاق بعض المعابر وتعزيز الحراسة، تأتي في إطار محاربة الجماعات المتطرفة ومنعها من استغلال الثغرات الأمنية، مشيراً إلى أهمية أن تتبنى الدول إجراءات مماثلة استباقية، على أن تكون مؤقتة وبما لا يؤثر سلباً على حياة المدنيين.









