في زحمة الأحداث وتناقض الآراء، يطل علينا جدل قد يبدو بسيطًا، لكنه يمس جوهر الهوية السودانية المتنوعة. فما قصة “الكدمول”، هذا اللباس الذي يراه البعض مجرد رمز عسكري، بينما يعتبره آخرون جزءًا لا يتجزأ من تراثهم الثقافي؟
مني أركو مناوي، حاكم إقليم دارفور، يرى أن “الكدمول” ليس سلاحًا، بل هو تعبير عن ثقافة سودانية أصيلة، ووسيلة للوقاية من قسوة المناخ قبل أن يكون مجرد قطعة قماش. ويشير إلى أن التنوع الثقافي لا يضعف الهوية الوطنية، بل يثريها ويجعلها أكثر قوة وجمالاً.
لنسترجع ذكريات الدراسة، حين تعلمنا في الصفوف الابتدائية عن جغرافيا السودان الشاسع. أتذكر قصة الشاب الذي جال البلاد من شمالها إلى جنوبها، واكتشف كنوزها الثقافية والطبيعية. من نخيل الشمال وسواقيه، إلى رمال كردفان وبواديها، مرورًا بـ “القولد” حيث التقى صديقه “فاضل الصديق” – وهو الاسم الذي عرفت قصته لاحقاً من والي الشمالية الأسبق -. رحلة تعلمنا أن السودان ليس مجرد بقعة على الخريطة، بل هو نسيج متكامل من التاريخ والجغرافيا واللغة والثقافة.
“الكدمول”، في هذا السياق، ليس دخيلاً على الثقافة السودانية. إنه ببساطة شكل من أشكال العمامة، التي كانت ولا تزال جزءًا من حياة أهل المناطق المكشوفة. يستخدم لحماية الرأس والوجه من الشمس والرياح والغبار، ويساعد على حفظ رطوبة الجسم في المناطق الجافة. وقبل أن يصبح زيًا عسكريًا، كان “الكدمول” رفيقًا للفلاح والراعي والمسافر في الصحراء.
صحيح أن استخدام “الكدمول” قد ازداد في السياقات العسكرية، خاصة في مناطق غرب السودان، إلا أن وظيفته الأساسية لا تزال قائمة: توفير الحماية من العوامل الطبيعية. ولا ننسى أن الإمام محمد أحمد المهدي، رمز المقاومة السودانية، ظهر في صور تاريخية وهو يرتدي “الكدمول”، مما يؤكد على ارتباطه بالثقافة السودانية.
إن محاولة تقليل قيمة “الكدمول” أو محاربته، هي بمثابة محاربة جزء من الهوية السودانية المتنوعة. إنها تشبه منع أهل الشرق من ارتداء زيهم التقليدي، أو فرض ملابس معينة على أهل الجنوب. فالسودان يتسع للجميع، بتنوعهم الثقافي والاجتماعي.
الجلابية السودانية، بأسلوبها الأنيق و”المركوب النمري” المرافق لها، هي أيضًا تعبير عن هذا التنوع. قد لا يرتديها الجميع في كل وقت، ولكنها تظل جزءًا من التراث السوداني الغني.
إذًا، فليحتفل السودانيون بتراثهم المتنوع، ولننظر إلى “الكدمول” ليس كرمز عسكري، بل كجزء من قصة أوسع وأعمق، قصة هوية سودانية لا تعرف الحدود.









